(عاد/ فرنسا) متابعات:
في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، تحولت الطرق اليمنية إلى مسارات استنزاف يومي، حيث تفرض النقاط الأمنية جبايات مرهقة على الشاحنات، تنعكس مباشرة على أسعار الغذاء ومعيشة المواطنين.
يتعرض الاقتصاد اليمني لتداعيات سلبية متواصلة نتيجة الجبايات والإتاوات المالية التي تفرضها نقاط أمنية منتشرة في مختلف المدن والمحافظات.
وتُفرض هذه الممارسات غير القانونية على شاحنات نقل البضائع والسلع عبر حواجز تفتيش تتبع سلطات محلية ووحدات وتشكيلات مسلحة متعددة، تزعم تبعيتها للحكومة الشرعية اليمنية.
ولا يختلف الوضع كثيرا في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، بل يبدو أكثر سوءا، غير أن حجم التكتم هناك أكبر بكثير. وفي الحالتين، يبقى المواطن البسيط هو المتضرر الأكبر، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية.
مبالغ باهظة
وأطلق سائقو شاحنات نقل البضائع استغاثات إنسانية، كاشفين جانبا خطيرا من ملف الجبايات الذي يثقل كاهل المواطنين، بعد حديثهم عن مبالغ خيالية تُفرض عليهم خلال تنقلاتهم بين المحافظات ومرورهم بالنقاط الأمنية.
ويكشف سائق شاحنة نقل بضائع في اليمن، عمر محمد الضيعة، حجم الأموال التي يدفعها من شاحنة واحدة فقط تحت مسميات متعددة، وبموجب سندات وإيصالات تزعم أنها رسوم رسمية.
وأوضح الضيعة أن إجمالي الجبايات المفروضة على رحلته الواحدة يصل إلى قرابة مليون ريال يمني، مشيرا إلى أن كثيرا من النقاط الأمنية تمنح سندات وإيصالات بمسميات مبتكرة لا تستند إلى أي أساس قانوني.
ودعا محافظي المحافظات إلى التحرك الميداني وتأمين خطوط نقل البضائع، وإزالة نقاط الجبايات، وتجنيب المواطنين دفع ثمن هذه الممارسات الموثقة بالأدلة والمستندات.
رحلة جبايات
وروى الضيعة تفاصيل رحلته بشاحنته المحملة بمادة الحديد، والتي انطلقت من عدن إلى مأرب أواخر أبريل/نيسان الماضي، مرورا بمحافظات لحج وأبين وشبوة.
وقال إنه أُجبر في مدينة عدن على دفع 4 آلاف ريال يمني لنقاط أمنية، فيما دفع بمحافظة لحج 8 آلاف ريال لنقطتين، بواقع 4 آلاف ريال لمكتب النقل، ومبلغ مماثل لصندوق النظافة.
وفي محافظة أبين، دفع 50 ألف ريال في نقطة دوفس، و200 ألف ريال في نقطة دغلان، إضافة إلى 50 ألف ريال أخرى في 5 نقاط داخل المحافظة، بواقع 10 آلاف ريال لكل نقطة، تحت مسميات مثل “تحسين أمن الطرق” و”صندوق النظافة”، لتصل الجبايات هناك إلى نحو 300 ألف ريال.
وأضاف: “في محافظة شبوة دفعت إجمالي 450 ألف ريال، بينها 100 ألف ريال تحت بند تنمية خدمات، و300 ألف ريال لصيانة الطرق، و50 ألف ريال لنقطة تأمين عارين”.
وأشار إلى أن الجبايات التي دفعها في محافظة مأرب بلغت 139 ألف ريال، بينها 57 ألف ريال لصندوق صيانة الطرق، و70 ألف ريال لصندوق النظافة، إضافة إلى مبالغ أخرى للإدارة المحلية.
آثار سلبية
ووصف أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، الدكتور سامي محمد قاسم نعمان، هذه الجبايات بأنها أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار وتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
وقال نعمان لـ”العين الإخبارية” إن الجبايات تسهم في رفع أسعار السلع بنسبة تصل إلى 10%، في حين لا يتم توريد معظم عائداتها إلى خزينة الدولة، مؤكدًا أن ما يصل إلى السلطات المحلية لا يمثل سوى جزء بسيط منها.
وأضاف أن هذه الممارسات تخالف القوانين والأنظمة، وتشكل عائقًا أمام جهود الحكومة الرامية إلى خفض الأسعار، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اليمن.
تحرك حكومي
والسبت الماضي، وجّه نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عبدالرحمن المحرمي، وزارة الدفاع اليمنية بتشكيل حملة لمنع الجبايات وإزالة النقاط الأمنية المستحدثة من طرقات محافظة لحج.
وقضت التوجيهات بتشكيل حملة عسكرية وأمنية بقيادة قائد المنطقة العسكرية الرابعة المعين حديثًا، اللواء حمدي شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة، للإشراف على إخلاء الطرق من نقاط التحصيل غير القانونية وضبط المخالفين.
وتهدف هذه التحركات إلى إنهاء حالة التذمر الشعبي من الجبايات غير المشروعة التي أثقلت كاهل المواطنين وسائقي الشاحنات.
وجاءت هذه الخطوات بعد أيام من نزول محافظ أبين، مختار الرباش، ميدانيًا لإزالة قطاع مسلح كان يفرض جبايات على شاحنات النقل، تنفيذًا لتوجيهات تقضي برفع جميع النقاط الأمنية التي تمارس التحصيل غير القانوني.























