منذ أكثر من ستين عامًا، ظل اليمن والجنوب وحضرموت ، يدور في حلقة مفرغة من الانقلابات والثورات والشعارات التحررية التي رفعت أحلام الشعوب عاليًا، لكنها على أرض الواقع لم تنتج سوى المزيد من الأزمات والفقر والجوع والاقتتال الداخلي. تحولت تلك المشاريع مع الزمن إلى أدوات للصراع على السلطة، وغرقت في مستنقع المناطقية والقبلية والمذهبية والطبقية، حتى أصبحت الدولة نفسها غنيمة تتقاسمها النخب الحزبية والعسكرية والقبلية.
وخلال هذه العقود الطويلة، لم تستطع القوى السياسية التي حكمت هذه الجغرافيا أن تبني دولة مؤسسات حقيقية، ولا أن توفر حياة كريمة لشعوبها، بل إن الفساد تمدد داخل كل المفاصل، وغابت روح العمل الجماعي لتحل محلها الفردية وحب الذات والمصالح الضيقة. ولهذا بقي المواطن يدفع الثمن وحده، فيما تتكرر نفس الوجوه ونفس الأدوات ونفس الإخفاقات.
وفي الوقت الذي كانت فيه هذه المنطقة تغرق في الفوضى والصراعات، انطلقت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، نحو بناء الدولة الحديثة والتنمية والاستقرار وتحسين مستوى معيشة شعوبها. بينما ظلت المملكة تتحمل كذلك أعباء هذا الانهيار المستمر في جوارها الجنوبي، سواء من خلال تدفق ملايين اللاجئين الهاربين من الحروب والجوع، أو عبر التهديدات الأمنية والاعتداءات المتكررة التي صدرتها الأنظمة والجماعات المتصارعة في هذه المنطقة المضطربة.
ومن هنا يمكن فهم التحركات السعودية الأخيرة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والاقتصادي في كل بلادنا، باعتبارها محاولة جادة لإيجاد قاعدة مستقرة لبناء الدولة، وإنهاء حالة الفوضى والفساد المزمنة، وخلق بيئة تستجيب فعلًا لتطلعات الناس بعيدًا عن هيمنة القوى الحزبية التقليدية التي استنزفت البلاد لعقود.
وفي هذا السياق جاءت مبادرات رعاية الحوارات السياسية، ودعم مشاريع تشكيل مجالس التنسيق العليا في المحافظات المحررة، باعتبارها خطوة تهدف إلى توحيد الرؤى وإشراك مختلف القوى المجتمعية في صناعة القرار، بعيدًا عن احتكار الأحزاب والمكونات السياسية والقبلية التقليدية التي أثبتت فشلها وعجزها عن إدارة الدولة أو حتى إصلاح نفسها.
لكن المؤسف أن التجربة الأولى في حضرموت كشفت سريعًا أن كثيرًا من الأحزاب المركزية والقوى النافذة في قيادة الدولة والسلطة المحلية ، لا تزال مصرة على إعادة إنتاج نفس المنظومة القديمة، من خلال محاولة السيطرة على هذه المجالس الجديدة، وزرع القيادات الحزبية داخلها، وتحويلها مرة أخرى إلى أدوات لخدمة الأجندات الحزبية الضيقة، بدل أن تكون معبرة عن تطلعات أبناء المحافظة بكل شرائحهم وتنوع جغرافيتهم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فإذا تحولت هذه المجالس إلى نسخة مكررة من المؤسسات الحزبية القديمة، فلن يتغير شيء، وسنعود مجددًا إلى مربع الفساد والمحاصصة وهيمنة الأحزاب التي أوصلت البلاد أصلًا إلى هذا الانهيار الكبير. فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب المسميات الجديدة، بل في العقلية التي تدير المشهد، وفي استمرار تدوير نفس النخب التي استهلكت كل فرص الإصلاح.
إن نجاح أي مشروع إصلاحي في حضرموت أو غيرها يتطلب تحرير هذه المجالس من الهيمنة الحزبية الكاملة، وأن يكون التمثيل فيها حقيقيًا ومستقلًا، قائمًا على الكفاءات والشخصيات الاجتماعية والأعيان ومنظمات المجتمع المدني والمكونات المحلية المستقلة الفاعلة والتنوع الجغرافي، لا على الولاءات الحزبية المركزية والمراكز التقليدية للنفوذ.
كما أن من غير المنطقي أن تظل الأحزاب المركزية ورموزها المهيمنة على مجلسي النواب والشورى والسلطات المحلية ممسكة بكل شيء، دون ان تعلن استقالاتها من احزابها المركزية وانسلاخها منها ، ثم تقدم نفسها مرة أخرى باعتبارها أداة الإصلاح والتغيير. ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن كان جزءًا من الأزمة لعقود لا يمكن أن يتحول فجأة إلى صانع للحلول دون مراجعة حقيقية وشاملة.
ولهذا فإن الرعاة الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، أمام مسؤولية كبيرة لضمان عدم الالتفاف على أي مشروع إصلاحي جديد، وعدم السماح بإعادة تدوير أدوات الفشل القديمة داخل الهياكل الجديدة. لأن السماح بذلك لن ينتج سوى خيبة أمل جديدة، وسيعيد الناس إلى نفس الدوامة التي استنزفت أعمارهم ومستقبل أجيالهم.
إن حضرموت اليوم أمام فرصة تاريخية لتأسيس نموذج مختلف، يقوم على الشراكة المجتمعية الحقيقية، والتمثيل الجغرافي والسكاني الشامل ، والكفاءة، والاستقلالية، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية الضيقة. أما إذا استمرت نفس القوى في احتكار القرار والسيطرة على كل المبادرات الجديدة، وهو مارايناه في اجتماع المكلا يوم امس ٧ابريل، فسنجد أنفسنا باستمرار نردد نفس العبارة القديمة: “كأنك يا أبو زيد ما غزيت”.



















