استبشر كثير من الحضارم خيرًا هذا اليوم السابع من مايو، وهم يتابعون خبر ترؤس عضو مجلس القيادة ومحافظ المحافظة الدكتور سالم الخنبشي لقاءا مشتركًا لاستعراض مشروع تأسيس “المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية”، باعتباره خطوة طال انتظارها نحو توحيد الصف الحضرمي، وصناعة إطار سياسي جامع يعبر عن تطلعات أبناء حضرموت، وينتشل قضيتهم من حالة التشتت والاختطاف التي عانت منها لسنوات طويلة.
لكن، وبعد التأمل العميق في تركيبة هذا اللقاء، والقوى المشاركة فيه، وطبيعة الجهات المتحكمة بمساره، يتكشف للحضارم أن ما يجري ليس تأسيسًا حقيقيًا لقرار حضرمي مستقل، بل محاولة جديدة لإعادة تدوير الوصاية والتبعية الحزبية المركزية بثوب حضرمي شكلي، واحتواء أي مشروع وطني حضرمي مستقل قبل أن يشتد عوده.
فمن هم المشاركون في هذا اللقاء؟
نواب وشورويون مرتبطون بأحزاب المركز التقليدية، المؤتمر والإصلاح والاشتراكي والحراك، وشخصيات اخرى ممثلون عنها كمكونات سياسية،
وشخصيات تدور في فلك منظومة الشرعية ومراكز النفوذ القديمة، مع بعض الوجوه الحضرمية المستقلة التي جرى استدعاؤها لإضفاء “شرعية شكلية” على مشروع تم تصميمه مسبقًا ليبقى القرار الحضرمي مرتهنًا لصنعاء أو لعدن، لا معبرًا عن إرادة حضرموت الحرة المستقلة.
إن القضية اليوم لم تعد قضية “مجلس تنسيقي” أو “لقاء تشاوري”، بل قضية شعب يريد أن يستعيد قراره السياسي وثروته وكرامته، بعد عقود طويلة من التهميش والنهب والإلحاق القسري.
حضرموت التي انتصرت في الثالث من يناير، وقدمت التضحيات الجسام، وأسقطت مشاريع الإرهاب والغزو والفوضى، كان يفترض أن تُكافأ بشراكة عادلة، وتمثيل حقيقي، وصلاحيات واسعة، واحترام لإرادة أبنائها. لكن ما الذي حدث؟
لقد سُرقت انتصارات حضرموت مرة أخرى.
فبدلًا من تمكينها من إدارة شؤونها، جرى تشديد القبضة المركزية عليها بصورة غير مسبوقة. وبدلًا من منحها حقها المشروع في الثروة والقرار، فُتحت عليها أبواب حرب الخدمات في الكهرباء والمستقات النفطية والتجويع والتعطيل الممنهج.
الكهرباء تُنهار، والإيرادات تُنهب، من وزارات الكهرباء والنقل والنفط والمالية والنفط المخزون في الضبة ومنتجات بترومسيلة من الديزل والمازوت تم سرقتها ، والموانئ والمطارات والمنافذ تُستغل، بينما المواطن الحضرمي يغرق في الظلام والبطالة والمعاناة.
بل إن أبسط القرارات الإدارية والاستثمارية باتت مرهونة بموافقات مركزية من عدن، كما هو حال تراخيص الشؤون الاجتماعية والاستثمار والنفط والعقار والخدمة المدنية والنقل ، وكأن حضرموت ـ بتاريخها وثروتها ومساحتها ومكانتها ـ “كيان قاصر” لا يملك حق إدارة نفسه!
أما عسكريًا وأمنيًا، فالصورة أكثر قتامة وخطورة.
فحتى اللحظة، لا تزال قوات حماية حضرموت والمقاومة الحضرمية تواجه العراقيل والتسويف وعدم الدمج الحقيقي ضمن مؤسسات الدولة، بينما تُعطل عملية توسيع قوات النخبة الحضرمية ودرع الوطن، ويستمر تواجد قوات الطوارئ اليمنية في الخشعة والنقاط من قعوضة وكالفالي حتى الوديعة وتُترك تحت نظرها مناطق واسعة مفتوحة للفوضى والتقطع والحرابة، في الوقت الذي تُمنح فيه التسهيلات السياسية والأمنية والإعلامية للانتقالي المنحل قانونيا ، بهدف فرض الهيمنة على الشارع الحضرمي وإخضاعه لمشاريع خارج إرادته.
كل ذلك يحدث في وقت تتصاعد فيه المطالب الشعبية الحضرمية بالحكم الذاتي، واستقلال القرار السياسي، وتقرير المصير، وتعميق الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية بما يحقق الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة، خصوصًا مع تنامي أهمية حضرموت الجيوسياسية، ومشروع أنبوب النفط نحو البحر العربي، وحرص المملكة على تأمين خاصرتها الجنوبية من الفوضى والانهيار.
إن ما تخشاه قوى النفوذ المركزية اليوم ليس “الفوضى” كما تزعم، بل تخشى يقظة حضرموت أكثر من خشيتها من عصابات الحوثي المتمردة.
تخشى أن يتحول الصوت الحضرمي إلى مشروع سياسي متكامل.
تخشى أن تتوحد النخب والمكونات الحضرمية المستقلة في إطار جامع حقيقي، يفرض نفسه ممثلًا شرعيًا لإرادة الشعب الحضرمي، بعيدًا عن الوصاية الحزبية والمراكز التقليدية الفاسدة ، التي أوصلت البلاد إلى الانهيار والجوع وتحكم عصابات الحوثي.
ولهذا، فإن الواجب الوطني والتاريخي اليوم يقع على عاتق كل النخب والمكونات الحضرمية الحرة:
●أن تدرك أن الوقت لم يعد يحتمل المجاملات أو الانتظار أو الرهان على إصلاح منظومة فاسدة أثبتت فشلها وعجزها وارتهانها.
●وأن تبادر فورًا إلى توحيد صفوفها، وصناعة المجلس التنسيقي الحضرمي الحقيقي، لا الشكلي.
●مجلس يعبر عن حضرموت أولًا، لا عن الأحزاب.
●مجلس يستمد شرعيته من الشعب الحضرمي، لا من مراكز النفوذ.
●مجلس يرفع بوضوح مطالب الحكم الذاتي، والسيطرة على الثروات والإيرادات، والشراكة الندية مع صنعاء وعدن، وحق الحضارم في تقرير مصيرهم السياسي والإداري والاقتصادي.
لقد آن الأوان أن يقول الحضارم كلمتهم بصوت واحد:
●لن نقبل بعد اليوم أن تُختطف حضرموت باسم التوافق.
●ولن نقبل أن تتحول تضحيات أبنائها إلى غنيمة للأحزاب المركزية المتصارعة.
●ولن نقبل أن تبقى حضرموت خزّان ثروة يُنهب، وساحة نفوذ تُدار من الخارج، بينما أبناؤها محرومون من أبسط حقوقهم.
إن حضرموت اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة…
إما أن تنتصر لإرادة أبنائها وتنتزع مكانتها كقوة سياسية وجغرافية واقتصادية مستقلة القرار، أو تبقى رهينة التبعية والصراعات والمشاريع المفروضة عليها.
وما لم تتحرك النخب والمكونات الحضرمية الحرة سريعًا وترفع صوتها عاليا، فإن التاريخ لن يرحم المتخاذلين، ولن يغفر لمن فرّطوا بأعظم فرصة تاريخية امتلكتها حضرموت منذ عقود.



















