في اللحظة التي بدأ فيها الصوت الحضرمي المستقل يعلو بثقة ووضوح، مطالبًا بحقوقه المشروعة في تقرير مصيره، وانتزاع قراره السياسي وتوفير خدماته الأساسية ، وبناء نموذج حكم ذاتي يليق بتاريخه وثقله ومكانته—اشتدت في المقابل الهجمة عليه بصورة غير مسبوقة. وهذا ليس مستغربًا؛ فكلما تعاظم الفعل الحضرمي، تعاظم الفعل المضاد له. إنها معادلة تاريخية ثابتة: حين تنهض حضرموت، تستنفر القوى المتضررة لإعادتها إلى مربع التبعية.
حضرموت لم ولن تكن يومًا لقمة سائغة، لكنها كانت دائمًا هدفًا. فمنذ إسقاط استقلالها ومحاولة فرض “يمننتها” عام 1967 من اليمن الجنوبي، ثم الزج بها في وحدة 1990 تحت هبمنة اليمن الشمالي ، دون ضمانات حقيقية تحفظ خصوصيتها وحقوقها، وهي تواجه مشروعًا مستمرًا لتذويب هويتها وإلحاق قرارها بمراكز قوى خارجها. واليوم، يتجدد هذا المشروع بأدوات أكثر تعقيدًا، حيث تتبادل قوى الشمال والجنوب الأدوار في استنزاف حضرموت، ظاهرها التنافس، وباطنها الاشتراك في إبقائها ضعيفة ومجزأة.
الهجمة على حضرموت ليست عسكرية وعزوا فقط، بل متعددة الأوجه:
حرب خدمات وتجويع تُدار من داخل منظومة الشرعية، تستهدف كسر إرادة المواطن الحضرمي.
ضغوط أمنية وعسكرية لخلخلة الاستقرار وإبقاء المحافظة في حالة هشاشة دائمة.
حملات إعلامية مضللة تشوه الوعي وتزرع الشكوك والانقسامات.
شراء ذمم واستقطابات سياسية تهدف إلى تفكيك النخب والقيادات الحضرمية وإفراغها من مضمونها الوطني.
إثارة صراعات داخلية ضمن السلطة الحضرمية وقيادات المكونات تدار بعناية لضرب أي مشروع حضرمي جامع.
وفي الوقت الذي تمارس فيه قوى الشمال هذه الأدوات عبر مؤسسات “الشرعية”، تقف خلفها مليشيات الحوثي مهددة ومتوعدة، تلوّح بالقوة وتدير حربًا نفسية وإعلامية موازية. وعلى الضفة الأخرى، تمارس بعض القوى الجنوبية ضغطًا إعلاميًا وسياسيًا مكثفًا، عبر الحشد الجماهيري المنظم والمتواصل، واستخدام المال السياسي، ومحاولات فرض واقع تمثيلي لا يعكس حقيقة المزاج الحضرمي المستقل، في محاولة لتعويض إخفاقاتها الميدانية الأخيرة.
الأخطر من كل ذلك، ليس حجم الهجمة—بل حالة التشتت الحضرمي في مواجهتها.
فالمشهد الداخلي يعاني من:
غياب الفعل السياسي والإعلامي والجماهيري الموحد.
صراعات خفية ومعلنة بين القيادات والمكونات.
ضعف الحضور المؤثر في معركة الوعي.
ابتعاد القيادات عن الأرض، وترك الفراغ لقوى أخرى تعبث به.
إن بقاء القيادات الحضرمية المؤثرة في السلطة والمكونات في الرياض و خارج حضرموت، مهما كانت المبررات، يفاقم الأزمة ويمنح خصومها فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الواقع على حسابها. فالمعركة اليوم ليست فقط معركة قرار سياسي، بل معركة وجود وهوية.
ورغم هذا المشهد المعقد، فإن الفرصة لا تزال قائمة—بل وربما تكون تاريخية. حضرموت تمتلك كل مقومات النهوض:
تاريخ، وهوية، موقع استراتيجي، عمق اقتصادي، ونخب قادرة—إذا ما توحدت—على فرض مشروعها بقوة.
لكن هذا يتطلب خطوات عاجلة وواضحة:
1. عودة القيادات من الرياض إلى الداخل الحضرمي فورًا، والالتحام بالمجتمع وقيادة المشهد من الميدان.
2. توحيد الصف الحضرمي سياسيًا وإعلاميًا، من خلال مؤتمر حضرمي حضرمي، وبناء خطاب جامع يتجاوز الخلافات الثانوية.
3. إطلاق مشروع وطني حضرمي واضح المعالم يقوم على الحكم الذاتي وتقرير المصير.
4. بناء شراكات إقليمية متوازنة تحفظ لحضرموت استقلال قرارها ولا ترهنه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور السعودي. فحضرموت ليست مجرد موقعا جيو يياسيا هاما ، بل تمثل عمقًا استراتيجيًا للمملكة، وخط دفاعها الجنوبي الأول. واستقرارها وقوتها ليس مصلحة حضرمية فحسب، بل مصلحة سعودية مباشرة. ومن هنا، فإن دعم استقرار حضرموت وتمكين قياداتها الوطنية، وإعادة حضورها الفاعل على الأرض، هو استثمار في أمن المنطقة ككل.
إن حضرموت اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن تستمر في حالة التشتت والتآكل تحت ضربات متزامنة،
أو أن تتحول إلى قوة موحدة تفرض مشروعها وتعيد صياغة موقعها في المعادلة.
والتاريخ لا يرحم المترددين.




















