مقاربة فلسفية بين ثقافة المصارعة الرومانية … وثقافة المليونيات الغوغائية !!! ج٣/ ٣ 

في مقالتينا السابقة عملنا مقاربة تحليلية لثقافة المليونيات وتحشيد الغوغاء ، التي عجت بها بلادنا منذ قيام ماسمي بثورتي سبتمبر وأكتوبر في الستينيات ، ولازلنا نجترها شمالا وجنوبا وحضرموتيا حتى يومنا هذا ، ولم نحقق من ورائها شي ايجابي يذكر ، غير تكريس ثقافة القطيع المتبلدة واعتلاء الرويبضة لسدة الحكم على اكتاف الغوغاء ، وازاحة الحكماء واهل الكفاءة والعلم من قيادة المجتمع، وبالتالي تدميره رويدا رويدا وادخاله في اتون الازمات والاحتراب الدائم والمجاعة المستمرة . ولتقريب الفهم لهذه الثقافة التدميرية التي حلت بنا ، قدمنا مقاربة فلسفية بينها وبين ثقافة المصارعة الرومانية كاحدى تجليات ثقافة القطيع والقوة والفوضى والرويبضة . وفي مقالتنا الأخيرة هذه سنفصل في خلفيات وتجليات واثار ثقافة المليونيات الغوغائية .

حيث سنلامس جوهر الأزمة البنيوية التي تعاني منها المجتمعات عند إحلال “سيكولوجية الحشد” محل “منطق الدولة والمؤسسات”. فهي تمثل انتقال من “المجتمع المدني المنظم” إلى “المجتمع الغوغائي” الذي يُدار بالعاطفة والشعارات وفكر الرويبضة ، بدلاً من البرامج والحوار والنظام والقانون.

وبأدناه تفكيك لهذه الفلسفة وجذورها وأثرها التدميري على الخصوصية الحضرمية:

## 1. الجذور التاريخية (من “الانتفاضات” إلى “المليونيات”)

هناك خيط رفيع يربط بين “الانتفاضات الفلاحية” في السبعينيات وبين “مليونيات” اليوم. كلاهما يعتمد على **تجييش الطبقات المسحوقة** ضد النخب التقليدية أو الفكرية.

* **في السبعينيات:** استُخدم الفكر الماركسي اللينيني لتبرير “الصراع الطبقي”، حيث كان التجمهر وسيلة لانتزاع الملكيات (الأراضي والمصانع) تحت شعار “الأرض لمن يفلحها”، والمصنع لمن يعمل فيه ، مما دمر الرأسمالية الوطنية الحضرمية وهجّر العقول والتجار.

* **اليوم:** تلبس هذه الحشود لبوساً مناطقياً أو سياسياً، لكن الآلية هي نفسها: **”الشرعية للشارع لا للنظام و القانون”**. هذا التراكم خلق ثقافة استسهال الفوضى والتدمير باسم “الإرادة الشعبية”.

## 2. سيكولوجية الحشود: تدمير العقل النقدي

عندما يتحول الإنسان من “فرد” إلى “جزء من حشد”، تحدث تحولات نفسية خطيرة وصفها علماء الاجتماع (مثل غوستاف لوبون):

* **ذوبان الشخصية:** يفقد الفرد قدرته على التفكير المنطقي وينساق خلف “الهتاف”.

* **سيادة الغريزة:** يتحرك الحشد بدافع العاطفة (الغضب، الحماس، الكراهية)، مما يجعل من السهل توجيهه نحو أهداف تدميرية.

* **الاستعلاء بالعدد:** المليونيات توهم الغوغاء بأنهم “فوق القانون”، وأن كثرة عددهم تمنحهم الحق في مصادرة رأي الآخر أو تخوينه.

## 3. الأثر التدميري على المجتمع الحضرمي

حضرموت تاريخياً عُرفت بـ **”مجتمع العقد والاتفاق والسكينة ورفص الفوضى”**، وهو مجتمع مدني يحترم التراتبية المجتمعية و العلمية والتجارية والقانونية. هذه المليونيات تعمل على:

* **إحلال “البروليتاريا السياسية”:** تقديم قيادات سطحية (شعبوية) تجيد الصراخ والخطابات الحماسية، وتفتقر لأدنى معايير الكفاءة الإدارية أو الرؤية السياسية الرصينة.

* **الإرهاب الفكري:** خلق بيئة تطرد الكفاءات والحكماء؛ لأن لغة الحوار الهادئ تُقمع بصوت “المكرفونات” واتهامات العمالة والارتزاق.

* **ترسيخ الفوضى:** عندما يتعود المجتمع أن “الحشد” هو وسيلة أخذ الحقوق، تسقط هيبة المؤسسات والقضاء، ويصبح “التسلط” هو الأداة الوحيدة للتعامل.

## 4. النتائج السياسية والاجتماعية (تدمير المنظومات)

هذا النهج لا يبني دولة، بل يؤسس لـ **”دكتاتورية الشارع”** التي تقود في النهاية إلى:

1. **التبعية المطلقة:** انقياد الحشود لزعامات كاريزمية (أو مدعومة) دون مراجعة أو محاسبة.

2. **تدمير البنية الاقتصادية:** استمرار عقلية “المصادرة” و”عدم احترام الملكية” (ولو معنوياً بتهديد المستثمرين أو المخالفين) يمنع الاستقرار التنموي.

3. **تفتيت النسيج الاجتماعي:** تقسيم المجتمع إلى “معنا” (وطني) أو “ضدنا” (خائن/مرتزق)، مما ينهي التعددية الفكرية التي تميزت بها حضرموت تاريخياً.

**في الختام:**

إن ما تراه اليوم هو إعادة إنتاج لسياسات “الجبهة القومية” ولكن بقميص جديد. الفلسفة واحدة: **تغييب العقل، تقديس الفرد/الحزب، واستخدام “الغوغاء” كمطرقة لتحطيم منظومة القيم والأخلاق والقانون.** وستظل حضرموت، بوعيها التاريخي، هي الصخرة التي يمكن أن تتحطم عليها هذه الموجات إذا ما استعاد المجتمع “ثقافة الحوار” واحترام “النظام” فوق كل اعتبار.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك