في مقالنا السابق قلنا انه في فلسفة علم الاجتماع السياسي ، و رغم تباعد الأزمان، إلا أن هناك **خيطاً سيكولوجياً غليظاً** يربط بين “الحلبة الرومانية” و”الساحات المليونية” كأدوات للسيطرة والتحشيد العاطفي.
ويمكن رصد التشابه بينهما في عدة نقاط جوهرية تعتمد على استثارة الغرائز البدائية للبشر:
### 1. صناعة “العدو” كوقود للحماس
* **في روما:** كان الجمهور يحتاج لـ “ضحية” (مصارع مهزوم أو وحش) ليصب عليه غضبه ويشعر بنشوة الانتصار.
* **في المليونيات:** يعتمد الخطاب على صناعة “شيطان” أو “عدو” (سواء كان طبقياً، مناطقياً، أو سياسياً). الحشد لا يشتعل حماساً من أجل برنامج تنموي، بل يشتعل بالهتاف **ضد** خصم ما، مما يغذي روح السادية السياسية التي تستلذ بإقصاء الآخر وتخوينه.
### 2. فلسفة “التسلية التخديرية” :
* **في روما:** كانت الألعاب وسيلة لإلهاء الفقراء عن جوعهم وفقدانهم للحقوق السياسية.
* **في المليونيات:** غالباً ما تُستخدم هذه التجمعات لتغطية الإخفاقات في توفير الخدمات الأساسية أو التنمية. حيث يُعطى المجتمع “جرعة حماسية” من الشعارات البراقة لإلهائه عن المطالب الحقوقية والقانونية، تماماً كما كانت دماء المصارعين تُنسي الرومان نقص الخبز.
### 3. سادية “الإبهام المرفوع أو المكسور”
* **في روما:** كان مصير المصارع يُحدد بإشارة من إبهام الجمهور؛ إما الحياة أو الموت.
* **في المليونيات:** يمارس الحشد سادية معنوية مشابهة؛ فمن يوافق الحشد يُرفع فوق الرؤوس، ومن يملك رأياً مخالفاً أو “هادئاً” يتم قتله معنوياً عبر التشهير الإعلامي، الإرهاب الفكري، أو التهديد الجسدي. إنها “حلبة” يُمنع فيها الوقوف في المنطقة الوسطى.
### 4. تغييب “الفرد” لصالح “القطيع”
* في الثقافتين، تذوب شخصية الإنسان المثقف أو الرصين في “كتلة بشرية” واحدة. هذا الذوبان يرفع من مستوى الأدرينالين ويقلل من مستوى الأخلاق. الشخص الذي قد يكون مهذباً في حياته الخاصة، قد يتحول إلى “سادي” يطالب بسحق الخصوم عندما يكون وسط حشد مليوني، تماماً كما كان المواطن الروماني الهادئ يتحول إلى وحش يطالب بذبح المصارع المغلوب في الكولوسيوم.
### 5. بروز “قيادات المنصة” (قادة الاستعراض)
* مثلما كان ” الإمبراطور ومنظمو الألعاب” في روما يحصد الولاء الشعبي عبر زيادة جرعة الدم والعنف، تبرز في المليونيات قيادات سطحية تعتمد قوتها فقط على قدرتها على تهييج العواطف وشحن الجماهير، وليس على الكفاءة أو الحكمة الإدارية. هؤلاء القادة هم “أباطرة الحشود” الذين يقتاتون على الفوضى وتجييش الغوغاء.
### 6. الأثر التدميري: “ثقافة الهدم لا البناء”
* كلا الثقافتين تؤسسان لمجتمع **”انفعالي”** لا **”عقلاني”**. المجتمع الذي يعتاد على لغة الحشود والدم (أو العنف اللفظي والميداني) يجد صعوبة بالغة في العودة إلى “طاولة الحوار” أو احترام “سلطة القانون”. إنها ثقافة تؤمن بأن الحق لمن يملك الصوت الأعلى والقبضة الأقوى، وهي نقيض تام للدولة المدنية والمؤسسات التي طالما كانت حضرموت تنشدها.
**الخلاصة:**
التشابه يكمن في أن كلاهما يحول **”الإنسان”** من كائن عاقل ومسؤول إلى **”أداة”** في يد السلطة أو المكون السياسي المسيطر، تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية عبر بوابة العنف العاطفي والسادية الجماعية تجاه كل ما هو مخالف.





















1 تعليق
د عبدالله طالب
قراءة نقدية في مقاربة “الحلبة الرومانية” و“المليونيات الشعبية”
تطرح بعض الكتابات المعاصرة مقارنات لافتة بين ظواهر تاريخية متباعدة، في محاولة لاستخلاص أنماط متكررة في السلوك البشري. ومن بين هذه المقاربات، ما يربط بين ثقافة العروض الدموية في روما القديمة، التي تجسدت في مدرجات مثل ، وبين ظاهرة المليونيات الشعبية في العصر الحديث. ورغم ما تحمله هذه المقارنة من جاذبية بلاغية، إلا أنها تستدعي وقفة نقدية تكشف حدودها وإشكالاتها المنهجية.
أول ما يلفت النظر هو الخلط بين سياقين مختلفين جذرياً من حيث الطبيعة والغاية. فالعروض الرومانية كانت قائمة على العنف الدموي المنظم، حيث يُقتل الإنسان أو الحيوان لإمتاع الجمهور، في إطار منظومة سلطوية تستخدم الترفيه كأداة للسيطرة. في المقابل، تمثل المليونيات الشعبية – في أصلها – شكلاً من أشكال التعبير السياسي السلمي، ووسيلة ضغط مشروعة تسعى من خلالها الجماهير إلى إيصال مطالبها أو الدفاع عن حقوقها. إن مساواة الظاهرتين يتجاهل هذا الفارق الأخلاقي العميق، ويختزل الفعل السياسي المدني في صورة مشوهة.
ثانياً، تعاني هذه المقارنة من مغالطة التعميم، إذ تفترض أن كل الحشود بطبيعتها غوغائية ومنفعلة، وتغفل التمييز الضروري بين الحشود الواعية والحشود المُسيَّسة أو المنفلتة. فالتاريخ يقدم نماذج متعددة لحركات جماهيرية لعبت دوراً حاسماً في التحول نحو أنظمة أكثر عدلاً، كما في التي، رغم تعقيداتها، أسست لمفاهيم المواطنة والحقوق، أو في موجة التي حملت في بداياتها مطالب حقيقية بالحرية والكرامة. إن تجاهل هذا التنوع يُفرغ التحليل من توازنه، ويحوّله إلى حكم مسبق.
ثالثاً، تغفل المقاربة الوظيفة الديمقراطية للاحتجاجات الشعبية. ففي كثير من السياقات، لا تكون المليونيات أداة “تخدير” كما يُصوَّر، بل وسيلة بديلة عندما تضيق قنوات المشاركة السياسية الرسمية. وفي الأنظمة الديمقراطية، يُعد التظاهر جزءاً من العملية السياسية نفسها، لا نقيضاً لها.
رابعاً، صحيح أن بعض الخطابات الجماهيرية تقوم على استثارة العواطف أو تضخيم صورة “العدو”، إلا أن هذه الظاهرة ليست حكراً على الحشود، بل تمتد إلى الإعلام والسياسة الدولية. وعليه، فإن ربطها حصراً بالمليونيات يمثل اختزالاً غير دقيق لظاهرة أكثر تعقيداً.
كما أن المقارنة تتجاهل فارقاً مهماً يتعلق بحرية الاختيار؛ فالمصارعون في روما كانوا في كثير من الأحيان عبيداً أو مجبرين على القتال، بينما يشارك الأفراد في المظاهرات – في الغالب – بإرادتهم. هذا الفارق لا يمكن تجاوزه عند أي تقييم أخلاقي جاد.
لا يعني ما سبق إنكار وجود مخاطر حقيقية قد تصاحب الحشود، مثل الانزلاق نحو العنف أو الوقوع تحت تأثير التجييش العاطفي. غير أن هذه المخاطر تمثل انحرافات محتملة، وليست جوهر الظاهرة. فالحشود، كغيرها من الأدوات الاجتماعية، يمكن أن تُستخدم في البناء أو الهدم، تبعاً لوعي المشاركين وطبيعة القيادة والسياق السياسي.
في المحصلة، تبدو المقارنة بين “الحلبة الرومانية” و“المليونيات الشعبية” أقرب إلى تشبيه بلاغي مثير، منها إلى تحليل علمي دقيق. فهي تسلط الضوء على جانب واحد من الظاهرة، لكنها تتجاهل جوانب أخرى لا تقل أهمية، مما يخلّ بتوازن الرؤية. والاقتراب الأكثر إنصافاً يقتضي النظر إلى الحشود بوصفها ظاهرة مركبة، تحمل في طياتها إمكانات متناقضة: فهي قد تكون أداة للتلاعب، كما قد تكون قوة للتغيير.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدانة الحشود بإطلاق، بل في بناء وعي جمعي قادر على توجيهها نحو خدمة الصالح العام، وترسيخ قيم الحوار، واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى القانون.