مقاربة فلسفية بين ثقافة المصارعة الرومانية … وثقافة المليونيات الغوغائية !!! ج٢/ ٣ 

في مقالنا السابق قلنا انه في فلسفة علم الاجتماع السياسي ، و رغم تباعد الأزمان، إلا أن هناك **خيطاً سيكولوجياً غليظاً** يربط بين “الحلبة الرومانية” و”الساحات المليونية” كأدوات للسيطرة والتحشيد العاطفي.

ويمكن رصد التشابه بينهما في عدة نقاط جوهرية تعتمد على استثارة الغرائز البدائية للبشر:

### 1. صناعة “العدو” كوقود للحماس

* **في روما:** كان الجمهور يحتاج لـ “ضحية” (مصارع مهزوم أو وحش) ليصب عليه غضبه ويشعر بنشوة الانتصار.

* **في المليونيات:** يعتمد الخطاب على صناعة “شيطان” أو “عدو” (سواء كان طبقياً، مناطقياً، أو سياسياً). الحشد لا يشتعل حماساً من أجل برنامج تنموي، بل يشتعل بالهتاف **ضد** خصم ما، مما يغذي روح السادية السياسية التي تستلذ بإقصاء الآخر وتخوينه.

### 2. فلسفة “التسلية التخديرية” :

* **في روما:** كانت الألعاب وسيلة لإلهاء الفقراء عن جوعهم وفقدانهم للحقوق السياسية.

* **في المليونيات:** غالباً ما تُستخدم هذه التجمعات لتغطية الإخفاقات في توفير الخدمات الأساسية أو التنمية. حيث يُعطى المجتمع “جرعة حماسية” من الشعارات البراقة لإلهائه عن المطالب الحقوقية والقانونية، تماماً كما كانت دماء المصارعين تُنسي الرومان نقص الخبز.

### 3. سادية “الإبهام المرفوع أو المكسور”

* **في روما:** كان مصير المصارع يُحدد بإشارة من إبهام الجمهور؛ إما الحياة أو الموت.

* **في المليونيات:** يمارس الحشد سادية معنوية مشابهة؛ فمن يوافق الحشد يُرفع فوق الرؤوس، ومن يملك رأياً مخالفاً أو “هادئاً” يتم قتله معنوياً عبر التشهير الإعلامي، الإرهاب الفكري، أو التهديد الجسدي. إنها “حلبة” يُمنع فيها الوقوف في المنطقة الوسطى.

### 4. تغييب “الفرد” لصالح “القطيع”

* في الثقافتين، تذوب شخصية الإنسان المثقف أو الرصين في “كتلة بشرية” واحدة. هذا الذوبان يرفع من مستوى الأدرينالين ويقلل من مستوى الأخلاق. الشخص الذي قد يكون مهذباً في حياته الخاصة، قد يتحول إلى “سادي” يطالب بسحق الخصوم عندما يكون وسط حشد مليوني، تماماً كما كان المواطن الروماني الهادئ يتحول إلى وحش يطالب بذبح المصارع المغلوب في الكولوسيوم.

### 5. بروز “قيادات المنصة” (قادة الاستعراض)

* مثلما كان ” الإمبراطور ومنظمو الألعاب” في روما يحصد الولاء الشعبي عبر زيادة جرعة الدم والعنف، تبرز في المليونيات قيادات سطحية تعتمد قوتها فقط على قدرتها على تهييج العواطف وشحن الجماهير، وليس على الكفاءة أو الحكمة الإدارية. هؤلاء القادة هم “أباطرة الحشود” الذين يقتاتون على الفوضى وتجييش الغوغاء.

### 6. الأثر التدميري: “ثقافة الهدم لا البناء”

* كلا الثقافتين تؤسسان لمجتمع **”انفعالي”** لا **”عقلاني”**. المجتمع الذي يعتاد على لغة الحشود والدم (أو العنف اللفظي والميداني) يجد صعوبة بالغة في العودة إلى “طاولة الحوار” أو احترام “سلطة القانون”. إنها ثقافة تؤمن بأن الحق لمن يملك الصوت الأعلى والقبضة الأقوى، وهي نقيض تام للدولة المدنية والمؤسسات التي طالما كانت حضرموت تنشدها.

**الخلاصة:**

التشابه يكمن في أن كلاهما يحول **”الإنسان”** من كائن عاقل ومسؤول إلى **”أداة”** في يد السلطة أو المكون السياسي المسيطر، تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية عبر بوابة العنف العاطفي والسادية الجماعية تجاه كل ما هو مخالف.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك