المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل و سياسة أطفال الانابيب

كاتب المقال:

المحامي صالح عبدالله باحتيلي

محام مترافع أمام المحكمة العليا

في مختبرات أطفال الأنابيب، لا يُولد كل شيء سليمًا. هناك حالات فشل، وهناك تشوهات، وهناك أجنة لا تكتمل حياتها لأن العملية برمّتها قامت على تدخل عقول غبية في نظام بالغ التعقيد. الخطأ ليس في العلم ذاته، بل في وهم السيطرة الكاملة والاستبداد، وفي الاعتقاد أن كل شيء يمكن تصنيعه وفق رغبة المشرفين على التجربة.

هذا الوهم نفسه هو ما يحكم العقلية التي قادت المجلس الانتقالي المنحل إلى هذه الكارثة وتدمير قضية الجنوب .

لقد تحولت السياسة، لدى هؤلا ، إلى ما يشبه “مختبرًا مغلقًا” تُصنع فيه السلطة كما تُصنع الأجنة في الأنابيب، متسلقون مفروضون، تكوينات داخل المجلس مركبة بفوضوية ، وخطاب مفصل على قياس الحاكم القروي ، واجتماعات تُدار كأنها إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على نتيجة معروفة سلفًا. كل شيء يتم تحت السيطرة… على الورق.

لكن كما في المختبر، لا يمكن خداع قوانين الحياة طويلًا.

فالنتيجة، في الحالتين، غالبًا ما تكون مشوهة: كيان بلا روح، وهيئات بلا مصداقية، ومجتمعات تشعر بأن ما يُفرض عليها لا يشبهها. والأسوأ من ذلك، أن هذه“الكيانات المصنعة” تكون هشة بطبيعتها، تنهار عند أول اختبار حقيقي، تمامًا كما يفشل الجنين غير المستقر في الاستمرار.

السياسي الذي يتعامل مع المجتمع كعينة مخبرية، لا يختلف كثيرًا عن طبيب متهور يعبث بعناصر الحياة دون فهم عميق لتعقيدها. كلاهما يظن أنه يملك السيطرة، وكلاهما ينتهي بنتائج كارثية يدفع ثمنها الآخرون.

الأخطر أن هذه السياسات لا تكتفي بالفشل، بل تُنتج دورات متكررة من الإخفاق: يتم إسقاط تجربة فاشلة، ليتم استبدالها بأخرى مصنّعة بنفس العقلية، وكأن المشكلة في “المنتج” لا في طريقة الإنتاج نفسها.

الحقيقة القاسية هي أن المجتمعات لا تُبنى في الأنابيب، ولا تُدار بمزاج قروي . و أي نظام سياسي لا ينمو من داخل الناس، ولا يعكس توازناتهم الحقيقية، هو مشروع مؤجل للفشل، مهما بدا متماسكًا في البداية.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن الهندسة القسرية للسياسة، مثلها مثل العبث غير المحسوب بالطبيعة، لا تنتج إلا كائنات مشوهة أو غير قابلة للحياة. وأن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع، بل يُنمى… ببطء، بصدق، وباحترام عميق لتعقيد الإنسان، المجلس الانتقالي أنهى نفسه بنفسه.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

المحامي صالح عبدالله باحتيلي

محام مترافع أمام المحكمة العليا