النفط مقابل اصدار قانون بحق تقرير المصير لحضرموت

كاتب المقال:

المحامي صالح عبدالله باحتيلي

محام مترافع أمام المحكمة العليا

هكذا يجب أن تُفهم المعادلة، بلا مواربة ولا تزييف، نفط حضرموت ليس غنيمة مشاعة، ولا موردًا يُوزّع بقرارات فوقية من سلطات مركزية اعتادت لعقود أن تأخذ ولا تُحاسَب. المسألة لم تعد نسبة تُمنح هنا أو تُنتزع هناك، بل حق كامل جرى الالتفاف عليه لأكثر من خمسين عامًا، منذ أن بدأت دورة النهب المنظم، أولًا من عدن ثم من صنعاء، حتى أصبح استنزاف ثروات حضرموت النفطية والسمكية والإيرادية وكأنه أمر طبيعي لا يستدعي حتى تفسيرًا. في هذا السياق، يصبح الحديث عن منح حضرموت 20٪ من نفطها مهزلة سياسية لا يمكن تبريرها، لأنه لا يعكس إلا منطقًا مقلوبًا يجعل صاحب الحق متسولًا على باب السلطة المركزية ، ويحوّل الثروة إلى منّة تُمنح الاخر بدل أن تكون أساس السيادة لحضرموت .

ما قيل عن تلك النسبة لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل تعبير عن خلل أعمق في فهم طبيعة الصراع، لأن القضية ليست في أن تطلب حضرموت نصيبها، بل في أن تُقرّر هي ماذا تعطي ومتى تعطي وعلى أي أساس تعطي ومتى تمنع . كان الأجدر ببمحافظ حضرموت أن ييقول بوضوح لا يحتمل التأويل: هذا نفط حضرموت، وحضرموت—إن اختارت—ستمنح الآخرين نسبة تُحدَّد بقانون عادل، لا أن تنتظر موافقة سلطة مركزية كي تتفضل عليها بجزء من حقها. ومع ذلك تم تصوير ضعف المحافظ على أنه عنترية أو تعدٍ على حقوق المحافظات الأخرى لانه كان يتمنى ان تتفضل عليه السلطات المركزية ب 20 % من نفط حضرموت ، فكانت النتيجة تنمر من اليمن جنوبا وشمالا لتكريس نهج نفس المنظومة التي قامت على إضعاف حضرموت وإبقائها في موقع التابع، بينما تُستنزف مواردها بلا سقف. لو كان سؤال المحافظ بشكل مختلف، كان يكون كم نعطيكم، لكان في مركز أقوى.

السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس كم ستعطي حضرموت، بل لماذا استمرت في العطاء أصلًا دون مقابل سياسي وقانوني واضح. لماذا يُطلب منها أن تغذي مركزًا لم يعترف يومًا بحقها الكامل، ولم يقدّم اعتذارًا احتلال وعن عقود من النهب، ولم يلتزم بتعويض ما تم استنزافه، ولم يسنّ قانونًا يضمن لها حتى حق تقرير مصيرها. هذه ليست شراكة، بل علاقة مختلة قائمة على فرض الأمر الواقع، وكل يوم يستمر فيه هذا الوضع هو امتداد مباشر لسياسات الماضي الالحاق الغير قانوني بوجوه جديدة.

حضرموت ليست وحدها في هذا السياق، فالمهرة وسقطرى تعرضتا لنفس المسار، منذ 1967، حين فُرض واقع سياسي بالقوة “احتلال” ، وتبعه مسار طويل من التهميش والاستغلال. وعلى مدى خمسة وخمسين عامًا، لم يكن هناك تصحيح حقيقي لهذه العلاقة الغير قانونية ، بل تعميق مستمر لها، حتى بات من الضروري الان إعادة تعريفها من الأساس، لا ترقيعها بنسب شكلية أو تصريحات استهلاكية.

من هنا، لا يمكن القبول بأي نقاش خارج إطار واضح وصارم: اعتذار صريح عن الماضي، تعويض عادل عن ما تم نهبه، وإصدار قانون يضمن لحضرموت حق تقرير مصيرها دون لبس أو التفاف. هذه ليست شروطًا تعجيزية، بل الحد الأدنى لأي علاقة تُبنى على العدالة لا على الإكراه. وما دون ذلك ليس إلا استمرارًا للنهب بصيغة مختلفة.

النفط، في هذه اللحظة، لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح ورقة سياسية حاسمة، ويجب أن يُستخدم على هذا الأساس دون تردد. النفط مقابل الاعتذار، النفط مقابل التعويض، النفط مقابل قانون يكرّس حق تقرير المصير. هذه ليست شعارات، بل معادلة واضحة يجب فرضها، لأن البديل هو القبول باستمرار نفس الدائرة المغلقة التي لم تنتج إلا مزيدًا من التهميش.

وإذا لم تبدأ السلطات المركزية اليمنية فورًا باتخاذ خطوات قانونية حقيقية في هذا الاتجاه، فإن أي استمرار في تدفق النفط لن يكون إلا مشاركة ضمنية في إدامة هذا الواقع. عندها، يصبح القرار الطبيعي والبديهي هو التوقف، لأن ما يُؤخذ بالقوة أو بالمساومة غير المتكافئة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. حضرموت لا تحتاج أن تثبت حقها، بل تحتاج أن تمارسه، واللحظة التي تدرك فيها ذلك بالكامل، ستسقط كل المعادلات القديمة دفعة واحدة.

المحامي صالح باحتيلي النعماني

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

المحامي صالح عبدالله باحتيلي

محام مترافع أمام المحكمة العليا