حضرموت تكسر القيود وتقترب من فجرها الجديد!!!

لم تكد حضرموت تنتصر في معركة الثالث من يناير 2026م وتفشل محاولات إخضاعها وإلحاقها بمشاريع الهيمنة القادمة من الجنوب، حتى فُتحت عليها جبهة شمالية أخرى أكثر قسوة وأشد خطراً: جبهة التجويع والخدمات والاقتصاد.

فما عجزت عنه القوة العسكرية الجنوبية، تحاول بعض مراكز النفوذ الشمالية تحقيقه عبر إنهاك المواطن الحضرمي وإغراقه في دوامة حرب الخدمات و الأزمات المعيشية. فارتفعت أسعار المشتقات النفطية بصورة غير مسبوقة، وانعدمت من الأسواق والمحطات، وتفاقمت أزمة الكهرباء والمياه، واشتدت معاناة المواطنين في الوادي والساحل والصحراء والهضبة. ويرى كثير من أبناء حضرموت أن هذه الحرب الاقتصادية تُدار من قبل القوى المهيمنة على مؤسسات الشرعية، وعلى راسهم الرئيس العليمي ودوائر النفوذ المرتبطة بالمؤتمر الشعبي العام، بهدف إخضاع حضرموت وإضعاف موقفها السياسي.

ولم تتوقف الضغوط عند حدود التجويع ورفع الأسعار، بل امتدت إلى محاولات خنق حضرموت عبر بوابتها الشمالية مع المملكة العربية السعودية. حيث تمارس قوات الطوارئ اليمنية بايعاز من العليمي ، المتمركزة من الخشعة حتى منفذ الوديعة سياسات وإجراءات ومضايقات واعتقالات للمواطنين ، تعرقل تطبيع الأوضاع و حركة الإمدادات والتجارة، في إطار استراتيجية تستهدف تضييق الخناق على حضرموت وعزلها اقتصادياً، بما يخدم توجهات القوى النافذة في صنع القرار اليمني.

واليوم تتكامل هذه الضغوط مع التهديدات الحوثية المتصاعدة، حيث عادت الطائرات المسيّرة لتلوح في الأفق مستهدفة المحافظ وقيادة النخبة الحضرمية والمطار وميناء الضبة ومنشآت بترومسيلة. ويبدو المشهد للكثير من الحضارم وكأن هناك تماهياً موضوعياً بين ما تمارسه بعض مراكز النفوذ داخل الشرعية من ضغوط اقتصادية وخدمية وأمنية وعسكرية على حضرموت، وبين ما يسعى الحوثيون إلى تحقيقه عبر التهديد العسكري والأمني؛ فكلا المسارين يصبان في اتجاه واحد هو كسر الإرادة الحضرمية ومنعها من امتلاك قرارها السياسي والاقتصادي المستقل

.لقد دفعت حضرموت ثمناً باهظاً خلال ما يقارب ستة عقود منذ سقوط كيانها السياسي المستقل عام 1967م. فمنذ ذلك التاريخ، تعرضت لهجمة ممنهجة استهدفت هويتها وقرارها وثرواتها ومكانتها التاريخية. فتم تهميش أبنائها، ومصادرة قرارها السياسي المستقل، ونهب ثرواتها النفطية والمعدنية والسمكية، وإقصاء كفاءاتها من مواقع التأثير، وتحويلها من أرض كانت مركزاً للحضارة والتجارة والعلم إلى ساحة تعاني الفقر والبطالة وتردي الخدمات والتهميش وطاردة لابنائها.

حيث مارس الاحتلال اليمني بشقيه الجنوبي والشمالي ضد حضرموت، سياسات مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في النتيجة.

غير أن حضرموت، صمدت عبر التاريخ في وجه الغزاة ولم تستسلم يوماً. فهذه الأرض التي هزمت الغزو الحميري في القرن الثاني الميلادي بعد احتلال دام قرنين من الزمن، وحافظت على هويتها وكيانها المستقل عبر العصور، تستعيد اليوم روحها التاريخية من جديد. وكما سقطت القوى التي احتلتها في الماضي، فإن مشاريع الاحتلال و الهيمنة المعاصرة إلى زوال مهما امتلكت من قوة وسلاح.

ومنذ انطلاق الهبة الحضرمية المباركة عام 2013م، دخلت القضية الحضرمية مرحلة جديدة من الوعي والتنظيم والمقاومة السياسية والشعبية. ثم جاءت أحداث يناير 2026م لتؤكد أن حضرموت لم تعد كما كانت، وأن أبناءها أصبحوا أكثر تمسكاً بحقهم في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم وحماية أرضهم وثرواتهم.

وفي المقابل، تتآكل الدولة اليمنية العميقة يوماً بعد آخر تحت وطأة الانقسامات والصراعات الداخلية وتغول الفساد . فالقوى التي ظلت لعقود تتقاسم النفوذ على حساب حضرموت باتت عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع، وانكشفت هشاشة بنيتها السياسية والعسكرية أمام التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

أما حضرموت، فإنها تمضي بثقة نحو استعادة مكانتها التاريخية، مستندة إلى إرث حضاري عريق، وإلى شعب يزداد وعياً بحقوقه وإصراراً على انتزاعها. إنها معركة وجود وهوية وكرامة، ومعركة شعب قرر أن يكون سيداً على أرضه لا تابعاً لغيره.

لقد بدأ العد التنازلي لنهاية حقبة طويلة من التبعية والتهميش، وبدأت ملامح فجر حضرمي جديد تلوح في الأفق. فحضرموت التي أنارت التاريخ علماً وحضارة وتجارة، قادرة على أن تستعيد دورها ومكانتها من جديد، وأن تبني مستقبلها بإرادة أبنائها وبالشراكة مع محيطها العربي، وفي مقدمة ذلك المملكة العربية السعودية، الحليف الاستراتيجي الأقرب إلى حضرموت تاريخاً وجغرافيا ومصالح مشتركة.

وإن غداً لناظره قريب.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك