لم يعد ما يجري في حضرموت مجرد خلافات سياسية أو تباين في وجهات النظر، بل أصبح حالة من العبث والتوهان السياسي غير المسبوق، حتى بات المواطن عاجزًا عن فهم ما يدور حوله. فالمواقف تتناقض، والقرارات تتصادم، والصمت يبتلع الجميع، وكأن حضرموت تُدار بلا بوصلة ولا رؤية ولا إحساس بخطورة المرحلة.
كيف يعقل أن يصدر الموقف ونقيضه من الجهة نفسها؟ وكيف يمكن لمكون سياسي واحد أن يتحدث بعدة أصوات متعارضة في قضية مصيرية تمس مستقبل حضرموت؟ وكيف تقف السلطة المحلية في اتجاه، بينما يقف الشارع والإعلام والنخب والرأي العام في اتجاه آخر؟ أي منطق سياسي هذا؟ وأي رسالة يراد إيصالها للناس؟
لقد فجرت تشكيلة المجلس التنسيقي الأعلى للمكونات السياسية والمجتمعية عاصفة من الانتقادات النخبوية و الشعبية والإعلامية، ولم تكن تلك الانتقادات مزاجية أو كيدية، بل استندت إلى أسس موضوعية تتعلق بالعدالة والتوافق في التمثيل الجغرافي والديمغرافي، والكفاءة، والخبرة، وتمثيل المرأة والشباب، وهي معايير لا يختلف عليها اثنان في أي مشروع سياسي يحترم نفسه.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في التشكيلة وحدها، بل في الصمت المطبق الذي أعقبها. فلا توضيح، ولا مراجعة، ولا حوار، ولا حتى محاولة لطمأنة الرأي العام. ثم جاءت انسحابات شخصيات حضرمية وازنة، يتقدمها المقدم عمرو بن حبريش رئيس الحلف والجامع والمقدم صالح بن حريز عضو رئاسة الحلف، لتكشف أن الأزمة أعمق مما يتصور الجميع، ومع ذلك ظل المشهد جامدًا، وكأن شيئًا لم يكن ، بل ولم نسمع من قيادات وازنة في الجامع وعلى راسها الأمين العام اي موقف سلبا او ابجابا من انسحاب رئيسهم.
أي حياة سياسية هذه التي لا تتفاعل مع وحدة قياداتها ومع نبض المجتمع؟ وأي قيادة تلك التي لا ترى في النقد فرصة للتصحيح؟ إن أخطر ما تواجهه حضرموت اليوم ليس الخلاف، وإنما اللامبالاة والتوهان، وليس اختلاف الرأي، وإنما غياب المسؤولية، وليس تعدد الاجتهادات، وإنما غياب القرار الواضح.
إن استمرار هذا التوهان السياسي سيجعل حضرموت تخسر أهم ما تملكه، وهو مكانتها وثقلها وقدرتها على التأثير في مستقبل بلادنا كلها . وحين تضعف حضرموت، فإن الجميع سيخسر، لأنها كانت وما زالت صمام التوازن وشوكة الميزان في المعادلة السياسية الوطنية والإقليميةوالدولية.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع وعلى رأسهم النائب والمحافظ ، أن الصمت لم يعد حكمة، وأن تجاهل الرأي العام لم يعد سياسة، وأن إدارة الأزمات بالتجاهل واللامبالاة لن تنتج إلا مزيدًا من الاحتقان والانقسام والضعف.
وعلى جميع القيادات السياسية والقبلية والمجتمعية، دون استثناء، أن يجلسوا إلى طاولة مراجعة صادقة قبل أن يفقد الناس ثقتهم بكل المؤسسات والمرجعيات وبندموا يوم لاينفع الندم. كما أن على الأشقاء في المملكة العربية السعودية، بحكم دورهم المحوري في دعم استقرار وأمن حضرموت، أن يتدخلوا لتصحيح هذا المسار المختل، لأن استمرار هذا الانحدار السياسي لن يضر حضرموت وحدها، بل سيهدد توازن المشهد في اليمن بأكمله والإقليم ايضا.
حضرموت اليوم لا تحتاج إلى بيانات مجاملة، ولا إلى صمت بارد، ولا إلى حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة تصحيحه قبل أن تتحول الفوضى السياسية إلى واقع يصعب إصلاحه. فالتاريخ لا يرحم المترددين، والشعوب لا تنتظر من يتفرج على الأزمات، ويعمي بصره عنها ، وإنما من يصنع الحلول.




















