في مشهد يجمع بين الكوميديا السوداء والبراعة في الهروب من المسؤولية، أطلت علينا جماعة الحوثي مؤخراً لتؤكد من جديد أن الاستخفاف بعقول اليمنيين هو حرفتها الأساسية.
فحين أعلنت الشرعية اليمنية العزم على استئناف تصدير النفط وتخصيص عوائده لتخفيف مأساة رواتب الموظفين، سارعت الجماعة إلى إبداء “مباركتها” المشروطة بذوق رفيع: “لا مانع لدينا.. شريطة أن تُصرف رواتب موظفي الشمال والجنوب معاً!”.
يا للوطنية المفاجئة! ويا له من حرص حارق على لقمة عيش الموظف تحت سلطتهم الذي تجرع مرارة قطع الرواتب لسنوات طويلة تحت مبررات واهية، بينما كانت خزائن صنعاء تُغرف بغير حساب.
أين ذهبت إيرادات “سلطة الأمر الواقع”؟
الوجه الأكثر سخافة في هذا الموقف، هو ذلك التخندق خلف شعار “الموظف اليمني واحد في الشمال والجنوب”، بينما تتصرف الجماعة في العاصمة والمحافظات الواقعة تحت سيطرتها بمنطق “المال مالي ورزقي على الله”، متناسية تماماً أنها تدير إمبراطورية مالية ضخمة تجبي المليارات يومياً دون أن تكلف نفسها دفع حتى “نصف راتب” بانتظام!
دعونا نلقي نظرة على تقديرات هذه الموارد التي تبتلعها آلة “المجهود الحربي” ومراكز النفوذ:
جمارك وضرائب ميناء الحديدة: التي تدر عشرات المليارات شهرياً من حركة السفن والحاويات، والتي تُجبى بالريال والدولار، وتُخفيها الأرقام الرسمية الحوثية في سراديب مجهولة.
قطاع الاتصالات (يمن موبايل والشركات الأخرى): بقريته النقدية الهائلة التي تحصد أرباحاً فلكية يومياً من جيوب مواطنين يعانون الأمرين لتعبئة رصيد إنترنت أو إجراء اتصال.
إتاوات الجبايات والزكاة والأوقاف: مبالغ طائلة تُستخرج بالقوة وتحت يافطة “المقدسات”، لتذهب حصراً لتمويل الاحتفالات والمناسبات والمجهود الحربي.
أسواق المشتقات النفطية والغاز المحلي: التي تُدار عبر شبكات احتكار وسوق سوداء تدر أرباحاً خيالية لصالح قيادات الصف الأول وشبكات التجارة التابعة لهم.
أين تُصرف أموال الشعب من قبل صنعاء؟
حين نجمع هذه المليارات الطائلة التي تتدفق سنوياً إلى خزانة صنعاء، فإن السؤال المشروع الذي يتجنب الحوثي الإجابة عنه هو: أين تذهب هذه الأموال؟
الإجابة باختصار شديد، لا تحتاج إلى لجان تقصي حقائق، فواقع الحال ينطق بها:
1. المجهود الحربي المطلق: تمويل استعراضات طنانة، وصناعة الصواريخ والمسيرات، وحفر التترات والخنادق التي لا تطعم جائعاً ولا تداوي مريضاً.
2. مراكز النفوذ والسلالة: بناء الإمبراطوريات العقارية، وشراء المزارع والفلل الفارهة لصالح قيادات طارئة على السياسة والمال، تحولت بين عشية وضحاها إلى أثرياء حرب.
3. صناديق الجبايات الخاصة: حسابات مغلقة وممولة من قوت الشعب، لا تخضع لأي رقابة محاسبية أو قانونية، ومخصصة لخدمة الولاءات الضيقة.
خلاصة المشهد الساخر..
باختصار شديد، لسان حال الحوثي في رده على إيرادات النفط والرواتب يقول بوقاحة تامة:
“أموالي التي أجبيها من الجمارك والاتصالات والضرائب والزكاة هي حكر عليّ، أصرفها في حروبي وقصور قياداتي، أما أنتم يا شرعية ويا حكومة فعليكم أن توفروا رواتب موظفي الجمهورية من المحيط إلى الخليج!”
إنها معادلة حوثية عبقرية لا مثيل لها في التاريخ الاقتصادي الحديث: الربح لوحدك، وحمل همّ الشعب لغيرك.. وصحتين وعافية على المجهود الحربي!.
ـ وزير الإدارة المحلية



















