مقدمة استراتيجية: التحول الوطني عبر مسار ثنائي المراحل
لم تعد معضلة الدولة اليمنية كامنة في تشخيص أزماتها المتراكمة، بل في امتلاك الشجاعة السياسية والمؤسسية لكسر القوالب البالية للمركزية المفرطة التي استنفدت أغراضها وباتت عبئاً ثقيلاً على التنمية والنسيج الوطني؛ بعدما باعدت بين صانع القرار والمواطن، وجعلت المحافظات وحدات مسلوبة الإرادة تنتظر تحويلات شحيحة تكرّس العجز والجمود المؤسسي والخدمي.
ومن هذا المنطلق، يتجسد جوهر الرؤية في تصحيح مسار بناء الدولة من خلال استراتيجية تحول تدريجية ومنضبطة ترتكز على مرحلتين متكاملتين:
تبدأ الأولى بالتمكين المؤسسي والخدمي عبر التحول الفوري والواقعي نحو سلطات محلية كاملة الصلاحيات إدارياً ومالياً وتنموياً وأمنياً بموجب تشريع وطني نافذ لحين نضج شروط الحل السياسي الشامل، وصولاً إلى المرحلة الثانية المعنية بالترسيخ الدستوري والفدرالي التي تُتوّج هذا النضج بتحويل كل محافظة قائمة إلى ولاية فدرالية ضمن دولة اتحادية ديمقراطية موحدة (في حالة التوافق السياسي عليها ).
ويشكل نموذج “فدرالية المحافظات” الخيار الأكثر أماناً وقبولاً وملاءمة للواقع اليمني، لكونه يستند إلى حدود إدارية ومجتمعية مستقرة تاريخياً، ويتفادى الصراعات البينية ومخاوف الهيمنة ونشوء مراكز قوى إقليمية رافقت مشاريع الأقاليم المصطنعة، فضلاً عن اختصاره للترهل البيروقراطي والطبقات الإدارية الفوقية لتذهب الموارد مباشرة إلى خدمة المواطنين وإعمار مناطقهم.
أولاً: فلسفة التحول والمبادئ الحاكمة
ترفض هذه الرؤية أي تفويض صوري مفرغ من أدواته الفعلية، وتؤسس لانتقال مؤسسي محكوم بمبادئ وطنية صارمة، في مقدمتها مبدأ التبعية التنفيذية الذي يوجب اتخاذ القرار وصناعته في أقرب نقطة جغرافية للمواطن تستطيع إدارته بكفاءة، إلى جانب قاعدة التمويل الموازي التي تحظر نقل أو تكليف أي وحدة محلية بمهام خدمية وتنموية دون توفير غطاء مالي منتظم ومستدام يكفل تنفيذها بالكامل.
كما يستند التحول إلى مبدأ التدرج المشروط بالجاهزية المؤسسية لمنع الارتجال أو نشوء فراغ إداري، مع التزام الدولة المركزية الصارم بالضمانة الوطنية للعدالة عبر تأمين حد أدنى موحد من الخدمات الأساسية والأمان المعيشي لكافة المواطنين أينما كانوا، من خلال آليات التضامن وسد الفجوات التنموية بين المناطق.
ثانياً: أركان النموذج الرباعي للتمكين المحلي
يقوم تمكين المحافظات واستقلاليتها الفاعلة على تكامل أربعة أركان رئيسية:
الركن التنموي والاستثماري: يمثل نقطة التحول الجوهرية لمعالجة شحة الموارد عبر الانتقال من الجباية البيروقراطية العقيمة إلى إدارة الأصول والاستثمار الذاتي، حيث تُمنح السلطات المحلية الصلاحية القانونية الحصرية لإدارة أصولها العقارية والمكانية واستثمارها بنظام حق الانتفاع والشراكة مع القطاع الخاص، مع فرض حظر تشريعي قاطع على بيع الأصول العامة. ويتيح ذلك تأسيس صناديق وشركات تنمية محلية بحوكمة تجارية، وجذب مدخرات المغتربين والتمويل عبر صكوك التنمية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات، واحتفاظ المحافظات بالنسبة الكبرى من إيراداتها، مع إقرار حصة عادلة للمحافظات المنتجة للثروات الطبيعية بما يحفز كفاءة الإنتاج والتطوير.
الركن الخدمي والتنفيذي: يستهدف إنهاء الوصاية البيروقراطية المركزية ووقف التدخل الميداني للوزارات في إبرام العقود والمقاولات المحلية، وحصر دورها المركزي في وضع السياسات العامة والمعايير الفنية والرقابية والضمانات السيادية، في حين تتولى الإدارات والمجالس المحلية التخطيط والتشغيل والإشراف المباشر على خدمات مياه الشرب، والصرف الصحي، والكهرباء، والتعليم العام، والمرافق الصحية، وشبكات الطرق، والنظافة وحماية البيئة.
الركن الأمني والمجتمعي: يضمن الاستقرار عبر تمكين قيادة المحافظة من توجيه منظومة الأمن الداخلي والشرطة المجتمعية لحماية السكينة العامة وحراسة المنشآت الحيوية والاستثمارات، وتشكيل لجان وساطة ومصالحة سريعة لفض النزاعات العقارية والقبلية، بالتوازي مع إجراء تحليل مسبق لحساسية النزاع في المشاريع التنموية لضمان عدالة توزيع المنافع، في حين يتفرغ الجيش الاتحادي حصراً لمهامه الدستورية السيادية في الدفاع عن الوطن وحماية حدوده.
ركن الرقابة والمساءلة: يكرس الشفافية والنزاهة من خلال تطبيق الموازنات التشاركية بمساهمة المجتمع المحلي، والإلزام بالنشر الرقمي الشامل والمفتوح للموازنات والعقود والحسابات الختامية، مع إخضاع كافة التصرفات والأنشطة لتدقيق محاسبي مستقل يحيل أي شبهة فساد أو تجاوز إلى القضاء المختص.
ثالثاً: خارطة الطريق التنفيذية (2027–2036)
تُترجم هذه الرؤية عملياً عبر ثلاث فترات تشغيلية متعاقبة ومترابطة زمنياً:
تنطلق المسيرة بالمرحلة التأسيسية وبناء القدرات (2027–2029م)، والتي ينصب التركيز فيها على صياغة وإقرار قانون تمكين السلطات المحلية من الصلاحيات الكاملة ومصفوفة الصلاحيات الملزمة واللوائح المنظمة للشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب تدشين السجل الرقمي لحصر وتثمين الأصول العامة، وتنفيذ برامج تأهيل مكثفة للكوادر المحلية واختبار النموذج في محافظات رائدة وفق بطاقات الجاهزية المؤسسية.
تليها مرحلة التمكين الفعلي وتوسيع الشراكات (2030 –2032م)، لتشهد المباشرة الميدانية لممارسة الصلاحيات الكاملة على مستوى المحافظات المؤهلة باستقلال مالي وتنموي، وإطلاق صناديق التنمية وعقود الامتياز الكبرى، مع تفعيل نظام “منح الأداء” لمكافأة المحافظات الأكثر كفاءة وشفافية وتحصيلاً ذاتياً، واستمرار برامج التأهيل لتهيئة المديريات للمرحلة التالية.
وتتوج الخارطة بمرحلة التجذير المحلي والتحول الفدرالي الشامل (2033–2036م)، التي تشهد النزول بالصلاحيات التنموية والخدمية والموازنات التشاركية إلى مستوى جميع المديريات دون استثناء لتقريب اتخاذ القرار من المواطن والقرية والحي، وتشغيل صندوق التضامن الوطني لمعالجة الفجوات التنموية وإعادة توزيع الفوائض لصالح المناطق محدودة الموارد، وصولاً إلى التتويج الدستوري لفدرالية المحافظات كولايات فاعلة ومستقرة، وإجراء تقييم استراتيجي وطني شامل عام 2036 يقيس عمق التحول ومكتسبات الاستقرار.
رابعاً: منظومة الحوكمة وإدارة التحول
يُدار هذا المسار الوطني عبر هيكل تنفيذي مرن يتصدره وجود لجنة وزارية عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء لتوجيه مسار التحول وفض أي تعارضات تشريعية أو سياسية، تساندها أمانة فنية متخصصة تتولى التقييم الميداني للجاهزية والإشراف على هندسة برامج بناء القدرات، وتعمل بالتوازي مع لجان التمكين المحلية في المحافظات لتنسيق استلام الصلاحيات وإدارة المشاريع، مدعومة بآلية ملزمة لحسم النزاعات الإدارية تفصل في أي تداخل للاختصاصات خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر إلى ثلاثين يوماً، مع الحظر القاطع لتعطيل الخدمات أو المشاريع الحيوية تحت أي ذريعة إدارية.
خاتمة
إن هذه الرؤية تتجاوز مفهوم الإصلاحات الإدارية المجزأة؛ إذ تمثل مشروع إنقاذ وطني وإعادة بناء حقيقية للدولة اليمنية من جذورها الجغرافية والشعبية. وإن الانطلاق من تمكين المحافظات بصلاحيات كاملة ثم ترقيتها دستورياً إلى ولايات فدرالية قادرة على إدارة مواردها وأصولها وحفظ أمنها وتفويض مديرياتها، هو المدخل الواقعي والضمانة الحقيقية لإقامة دولة اتحادية عادلة ومستقرة وقوية بسواعد كافة أبنائها.
المهندس بدر محمد باسلمه
لتنزيل المقالة PDF عبر الرابط الآتي:
https://drive.google.com/file/d/1ihfcLMfO1NHvq9R12m5TbFX3vOkS4tuY/view?usp=drivesdk


















