في فلسفة علم الاجتماع السياسي؛ ورغم تباعد الأزمان، إلا أن هناك **خيطاً سيكولوجياً غليظاً** يربط بين “الحلبة الرومانية” و”الساحات المليونية” كأدوات للسيطرة والتحشيد العاطفي الغوغائي.
ويمكن رصد التشابه بينهما في عدة نقاط جوهرية تعتمد على استثارة الغرائز البدائية للبشر سنتناولها في مقالة اخرى .
حيث تعتبر المصارعة الرومانية (Gladiatorial Games) ظاهرة فريدة في التاريخ القديم، حيث لم تكن مجرد “رياضة” أو “تسلية” بالمعنى الحديث، بل كانت طقساً اجتماعياً وسياسياً معقداً يعكس فلسفة الدولة الرومانية تجاه القوة، الموت، والسيطرة.
وكانت المصارعة الرومانية **”مدرسة للقسوة”**. فبينما نجحت في الحفاظ على الروح القتالية للإمبراطورية لقرون، إلا أنها ساهمت في انهيارها أخلاقياً من الداخل، حيث فقد المجتمع بوصلته الإنسانية وأصبح يعيش على شهوة الدم، مما جعل السقوط النهائي لروما يبدو وكأنه نتيجة حتمية لمجتمع تآكلت قيمه من الداخل قبل أن تسقطه الجيوش الخارجية.
ومقابل ذلك فان ثقافة الملبونيات تتمثل في إحلال **”غريزة القطيع”** محل **”منطق النظام والقانون”**، وهي امتداد مشوه للفكر الشمولي الماركسي الذي اجتاح المنطقة منذ السبعينيات. تعتمد فلسفتها على تحويل الجماهير إلى أداة ضغط عدوانية تُدار بالعاطفة والشعارات الجوفاء بدلاً من العقل والبرامج، مما يؤدي إلى ذوبان شخصية الفرد وقدرته على النقد لصالح “هتاف الحشد”.
ومن أبرز ملامح وأضرار هذه الثقافة:
* **الجذور والتبعية:** ترتبط بنيوياً بإرث “الانتفاضات” الماركسية التي دمرت الرأسمالية الوطنية وهجرت العقول، حيث يتم اليوم استنساخ ذات الآلية (الشرعية للشارع لا للقانون) لإحلال الفوضى محل النظام.
* **تدمير النخبة والكفاءة:** تعمل المليونيات على تصعيد **”قيادات غوغائية”** تفتقر للحكمة، مقابل ممارسة **”إرهاب فكري”** ضد الحكماء والنخب العلمية، مما يحول المجتمع من بيئة حوار رصينة إلى ساحة للتخوين والمصادرة.
* **تقديس الفوضى وسادية الحشد:** ترسخ هذه الثقافة قناعة مدمرة بأن الحق يُؤخذ بالضجيج والتحشيد لا بالقضاء والمؤسسات، مما يولد سادية جماعية تستلذ بقمع الرأي الآخر وإسكات صوت العقل.
* **الانهيار البنيوي:** تؤدي في النهاية إلى “دكتاتورية الشارع” والتبعية المطلقة لزعامات كاريزمية، مما يمزق النسيج الاجتماعي ويطرد الاستثمار، ويجعل من المجتمع كتلة هشة تنقاد خلف الوعود الوردية بينما تغرق في واقع مدمر.
** والخلاصة:** إنها عملية **”تجهيل ممنهج”** تستخدم الجماهير كمطرقة لتحطيم منظومة القيم الحضرمية القائمة على الاتفاق والتعاقد، واستبدالها بمنظومة “البروليتاريا السياسية” التي لا تجيد سوى الهدم، مما يجعل استعادة وعي المجتمع الحضرمي وتحصينه من هذا “الاجتياح الغوغائي” ضرورة وجودية للحفاظ على هويته واستقراره.
وفي مقالتنا القادمة سنستعرض بالتفصيل اهم ملامح هذه الثقافة باذن الله.




















