لماذا لم تتغير السياسة في العراق رغم التحولات الانتخابية؟

2026/05/04م

(عاد/ بغداد) متابعات:

رغم المؤشرات المتزايدة على تغيّر سلوك الناخب العراقي في السنوات الأخيرة، لا تزال ملامح النظام السياسي في البلاد ثابتة إلى حدّ بعيد، وكأنّ صناديق الاقتراع لم تفعل أكثر من إعادة ترتيب الوجوه داخل الإطار ذاته.

وتعكس هذه المفارقة بين ديناميكية المجتمع وجمود السلطة تعقيدًا عميقًا في بنية الحكم، وتطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تُترجم التحولات الانتخابية في العراق إلى تغيير سياسي حقيقي؟

وخلال الانتخابات الأخيرة برز اتجاه واضح لدى الناخبين نحو معاقبة القوى المرتبطة بالخارج، لاسيما تلك التي يُنظر إليها على أنها قريبة من إيران، مقابل دعم شخصيات وقوى ترفع شعارات وطنية أكثر استقلالًا.

ولم يكن هذا التحول هامشيًا، بل عكس تراكمًا في الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من العراقيين، خصوصًا بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية التي طالبت بالإصلاح ومكافحة الفساد.

غير أن هذا التغيّر في المزاج الشعبي لم يُحدث اختراقًا حقيقيًا في بنية السلطة. فالسبب لا يكمن في الانتخابات نفسها، بل في طبيعة النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003، والذي يقوم على مزيج معقّد من التوافقات بين النخب، وتقاسم النفوذ، والمحاصصة السياسية.

يبدو العراق عالقًا بين إرادة شعبية تتجدّد باستمرار ونظام سياسي يجيد إعادة إنتاج نفسه. هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية

ولا يُدار هذا النظام فقط عبر نتائج الاقتراع، بل من خلال توازنات دقيقة بين القوى الفاعلة، ما يمنحه قدرة كبيرة على امتصاص التغيير وإعادة إنتاج نفسه.

وفي هذا السياق يصبح اختيار رئيس الوزراء مثالًا واضحًا على حدود التأثير الانتخابي. فبدلًا من أن يكون المنصب انعكاسًا مباشرًا لإرادة الناخبين، يتحوّل إلى نتيجة لمفاوضات مطوّلة بين زعماء الكتل السياسية.

وغالبًا ما يُفضَّل اختيار شخصية لا تمتلك قاعدة سياسية مستقلة، حتى لا تُشكّل تهديدًا لتوازنات القوى القائمة. وهذا ما يفسّر صعود شخصيات تُوصف بأنها “توافقية” أو “وسطية”، لكنها في الواقع تعكس رغبة النخب في الحفاظ على مواقعها.

وإلى جانب ذلك تلعب الانقسامات داخل الكتل السياسية دورًا مهمًا في تكريس الجمود. فالتحالفات، خصوصًا داخل البيت الشيعي الذي يهيمن على السلطة، ليست متماسكة بقدر ما هي تجمعات ظرفية بين زعماء متنافسين.

ويسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه دون السماح للآخرين بالتفوّق عليه، ما يجعل اتخاذ قرارات إصلاحية جذرية أمرًا بالغ الصعوبة. وفي مثل هذا السياق يصبح الحفاظ على التوازن أولوية تتقدّم على التغيير.

ولا يمكن فهم استمرار الوضع القائم دون التطرّق إلى دور الفساد، الذي بات يُشكّل جزءًا بنيويًا من النظام السياسي. فالفساد في العراق ليس مجرد ظاهرة عرضية، بل شبكة معقّدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتداخل فيها الدولة مع الأحزاب ورجال الأعمال.

وتستفيد هذه الشبكة من بقاء الأوضاع على حالها، وتمتلك أدوات متعددة لتعطيل أي مسار إصلاحي قد يهدّدها. لذلك، حتى عندما تأتي الانتخابات بوجوه جديدة أو بخطاب مختلف، تبقى الممارسات ذاتها قائمة.

ومن جهة أخرى ساهمت الاحتجاجات الشعبية، خصوصًا تلك التي اندلعت عام 2019، في تعزيز الوعي العام بضرورة التغيير.

وقد دفعت هذه الاحتجاجات بعض القوى السياسية إلى تبنّي خطاب إصلاحي، ولو بشكل شكلي. لكن المشكلة أن هذا الخطاب لم يُترجم إلى سياسات فعلية، بل ظلّ في الكثير من الأحيان مجرد أداة لكسب التأييد الشعبي دون المساس بجوهر النظام.

ويضيف العامل الخارجي طبقة أخرى من التعقيد. فالعراق يقع في قلب صراع إقليمي ودولي، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل قراراته السياسية محكومة بحسابات تتجاوز الداخل.

ورغم أن النفوذ الإيراني شهد تراجعًا نسبيًا في السنوات الأخيرة، فإن تأثيره لم يختفِ، بل أصبح أكثر تعقيدًا ومرونة.

وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها دون الانخراط المباشر، ما يترك هامشًا للنخب العراقية للمناورة بين الطرفين.

وينعكس هذا التوازن الخارجي على الداخل، حيث تميل القوى السياسية إلى تبنّي سياسات حذرة تضمن عدم استفزاز أي طرف، بدل الدخول في مشاريع إصلاح قد تُخلّ بالتوازن القائم.

وهكذا، يصبح “الحياد” شعارًا سياسيًا، لكنه في الواقع يعكس عجزًا عن اتخاذ قرارات حاسمة.

كما أن الإطار الدستوري والقانوني، رغم أهميته، لم ينجح في فرض قواعد واضحة لتداول السلطة أو محاسبة الفاسدين. فالمؤسسات الرقابية والقضائية تعاني من ضغوط سياسية، ما يحدّ من قدرتها على أداء دورها بشكل مستقل.

وفي غياب مؤسسات قوية، تبقى السياسة خاضعة لمنطق الصفقات والتسويات، بدل أن تكون قائمة على البرامج والرؤى.

الفساد في العراق ليس مجرد ظاهرة عرضية، بل شبكة معقّدة من المصالح التي تتداخل فيها الدولة مع الأحزاب ورجال الأعمال

وإضافة إلى ذلك، فإن غياب أحزاب سياسية مؤسسية ذات برامج واضحة يُسهم في إضعاف العملية الديمقراطية. فمعظم الأحزاب في العراق تدور حول شخصيات أو زعامات، وليس حول أفكار أو مشاريع وطنية، ما يجعلها تهتم بالحفاظ على نفوذها أكثر من اهتمامها بالسعي إلى تحقيق إصلاحات حقيقية.

ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن تجاهل أن هناك تغيّرًا تدريجيًا يحدث في المجتمع العراقي. فجيل جديد من الناخبين بدأ يفرض نفسه، ويحمل تطلعات مختلفة عن تطلعات الأجيال السابقة.

هذا الجيل أكثر وعيًا وأقل قبولًا بالخطابات التقليدية، وقد يُشكّل في المستقبل عامل ضغط حقيقيًا نحو التغيير.

لكن حتى يتحقق هذا التغيير، لا بد من تجاوز العقبات البنيوية التي تعيق النظام السياسي. فالإصلاح لا يمكن أن يقتصر على تغيير الأشخاص أو الخطابات، بل يتطلّب إعادة النظر في قواعد اللعبة نفسها، بما في ذلك آليات تشكيل الحكومات، وتعزيز استقلالية المؤسسات، ومكافحة الفساد بشكل جدي.

وتكشف التجربة العراقية أن الانتخابات، رغم أهميتها، ليست كافية وحدها لإحداث تحول سياسي عميق. فحين تكون البنية السياسية قادرة على التكيّف مع نتائجها دون أن تتغيّر، يصبح التغيير الحقيقي مرهونًا بقدرة المجتمع على فرض إصلاحات تتجاوز حدود الصندوق الانتخابي.

في المحصلة، يبدو العراق عالقًا بين إرادة شعبية تتجدّد باستمرار ونظام سياسي يجيد إعادة إنتاج نفسه. هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية؛ فكل دورة انتخابية تُعمّق الفجوة بين الشارع والسلطة، وتزيد من كلفة الجمود.

وإذا لم تُبادر النخب إلى مراجعة قواعد الحكم والانخراط في إصلاحات حقيقية تمسّ جوهر النظام، فإن ضغط المجتمع -وخاصة الأجيال الجديدة- سيتحوّل تدريجيًا من مجرد تصويت احتجاجي إلى قوة تغيير أكثر حدّة وتأثيرًا.

حينها، لن يكون السؤال ما إذا كان التغيير سيحدث، بل كيف سيحدث: عبر إصلاح من داخل النظام، أم عبر تحوّلات أكثر اضطرابًا تفرضها موازين قوى جديدة على الأرض؟

اضف تعليقك