هاني شاكر آخر فناني الزمن الجميل يودع محبيه

(عاد/ فرنسا) متابعات:

رحل، الأحد، أمير الغناء العربي الفنان القدير هاني شاكر في باريس عن عمر يناهز الرابعة والسبعين، وذلك بعد صراع مرير مع المرض.

وفي مارس الماضي، تم نقل النجم الكبير إلى العاصمة الفرنسية للعلاج حيث شهدت حالته الصحية تدهورا عقب خضوعه لجراحة في ‌مصر في وقت سابق من هذا العام.

وفي وقت سابق، قالت أوساط قريبة من الفنان الراحل، إن أزمته الصحية بدأت بسبب نزيف مرتبط بمشكلة مزمنة في القولون، مع نفي بعض الشائعات التي تم تداولها حول توقف القلب لفترات طويلة، مؤكدة أن حالته كانت تخضع لمتابعة دقيقة طوال فترة العلاج.

جسر بين حقبتين
رحيل الفنان يطوي صفحة ناصعة من ديوان الطرب العربي وينهي مسيرة آخر من تبقى من عنقود فناني الزمن الجميل

هاني ⁠عبدالعزيز شاكر من مواليد القاهرة في ديسمبر 1952، تخرج من المعهد العالي للموسيقى غير أنه بدأ مشواره مبكرا في برامج الأطفال بالتلفزيون المصري، وكان أول ظهور له في عالم الفن في فيلم “سيد درويش” عام 1966 من إخراج أحمد بدرخان، أدى فيه دور سيد درويش في صغره، ثم ظهر بعد ذلك مع عبدالحليم حافظ في أغنية “بالأحضان” حيث كان من ضمن الكورال، قبل أن يدعمه الموسيقار محمد الموجي الذي اكتشفه رسميا عام 1972 وقدمه للجمهور بأغنية “احكي يا دنيا” من كلمات فتحي الغندور.

وفي العام الموالي، اتجه هاني إلى السينما عام 1973 وشارك في فيلم “عندما يغني الحب” مع عادل إمام وصفاء أبو السعود، أما في عام 1974 فقد قدم مسرحية “سندريلا والمداح” وشارك في فيلم “عايشين للحب”، كما أطلق أول ألبوم غنائي له بعنوان “كدة برضو يا قمر” الذي ضم خمس أغان منها أغنية الموجي “حلوة يا دنيا” والأغنية التي تحمل اسم الألبوم والتي تعتبر الأغنية التي عرّفت هاني شاكر بالجمهور.

وفي العام 1975 اشترك هاني شاكر في فيلم “هذا أحبه وهذا أريده” الذي لاقى نجاحا جماهيريا كبيرا. أما عام 1981 فقد كانت له تجربة مميزة إذ شارك في مسلسل فوازير الخاطبة مع الفنانة نيللي.

وعلى مدار مسيرة امتدت لعقود، شكل هاني شاكر جسر التواصل بين عصري الكلاسيكية والحداثة في الغناء العربي، حيث أثرى المكتبة العربية بأكثر من 600 أغنية و29 ألبوما غنائيا، ⁠منها “علّي الضحكاية” و”حكاية كل عاشق” و”شاور” و”قلبي ماله” و”يا ريتني” و”الحلم الجميل” و”جرحي أنا” و”بحبك أنا” ‌و”اسم على الورق” و”اليوم جميل”، ‌وقدم حفلات في معظم دول العالم وشارك في مهرجانات فنية كبرى.

وآخر ألبوم لهاني شاكر، كان في عام 2010 بعنوان “بعدك ماليش” وقد حقق نسبة مبيعات عالية. تعامل فيه مع كبار الشعراء والملحنين في الوطن العربي ومنهم حسن أبو السعود، مصطفى كامل، خالد البكري، صلاح الشرنوبي، بهاء الدين محمد ومجدي النجار وغيرهم.

العلاقة مع العندليب

بخصوص العلاقة بينه وبين العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، قال في مقابلة صحفية إن هناك تشابها بين مشواريهما الفنيين “والجمهور يحب من كلينا الأغاني الكلاسيكية الحزينة والدرامية، بالرغم من كون بداياتي كانت وسط العمالقة وأثبتّ وجودي أمامهم”.

وأضاف “مررت بمراحل مختلفة من الألوان الموسيقية وسايرت أجيالا وألوانا موسيقية عديدة حاولت من خلالها التطوير من موسيقاي سواء من حيث الآلات الموسيقية أو الإيقاع، حاولت التجديد وجددت فعلا، لكن الجمهور يفضل صوتي على الموسيقى الكلاسيكية وستلاحظين أغلب أغاني الناجحة هي الحزينة وهذه ميزة فعلا وليست عيبا لأن الصوت الطربي المميز هو من يستطيع ولوج قلوب المستمعين بسرعة ويوصل إحساسه ومشاعره بسهولة تامة”.

وتابع أمير الطرب العربي “عبدالحليم قال عني في بداياتي مع طارق حبيب، إن هاني شاكر كويّس ولكن ليس طموحا، وقتها ممكن يكون زعلان مني”، متابعا “ساعد في ذلك الصحافة والإعلام في المساهمة في ظهوري على الساحة، وكأن الأستاذ الموجي يحارب عبدالحليم بي، وهذا كان من حظي السيّئ خلال فترة خلاف الموجي مع عبدالحليم، مع أن هذا ليس حقيقيا، والموجي له فضل كبير علي؛ حيث تدربت معه لمدة سنتين، وشاءت الأقدار أنه قدم لي أغنية ‘حلوة يا دنيا’، وغنيتها في حفل جمعني مع السيدة فايزة أحمد، ولكن الحمد لله، كلّ سوء التفاهم انتهى والأستاذ عبدالحليم حضر لي حفلين، أول مرة يحضر لي حفلة، كنت رافضا في البداية الصعود على المسرح، وخاصة بعد الحديث المتداوَل في الصحف، وهو أن الموجي مقدمني من أجل محاربة عبدالحليم”.

واستطرد هاني “أصريت وقتها على مقابلته قبل الحفل وقبل صعودي على المسرح؛ فأتاني إلى كواليس الحفل وسلمت عليه، وأنا من أطفال الكورال الذين غنوا وراء عبدالحليم في أغنية ‘بالأحضان’، وانطلقت في الكلام معه، وقُلت له أنا لو مكنتش سمعت صوتك وحبيت أغانيك مكنتش هعرف أغني”.

وأضاف متسائلا لعبدالحليم “إزاي تتوقع بكمّ هذا الحب أن أستاذ الموجي يرغب في محاربتك بي، أنت هرم رابع، ووقتها احتضنني عبدالحليم وقبّلني، وأخبرني أنه على معرفة بوجود مبالغات فيما تنقله الصحف”، وقد أكد بذلك للعندليب الأسمر أنه من تلامذته، وأنه يحبه كثيراً، وسيظل مخلصاً له لآخر يوم في عمره. فضحك عبدالحليم وتلاشى كلّ خلاف أو أيّ سوء تفاهم وصل له.

وداع مسيرة حافلة

خلال مسيرته الفنية، عرف هاني شاكر الكثير من التكريمات، من ذلك نيله وسام الاستحقاق الثقافي من يد الرئيس التونسي الراحل الرئيس زين العابدين بن علي، وجائزة فلسطين التي تسلمها من يد صائب عريقات بعد أن كان أول الفنانين الذين غنوا في فلسطين. كما توج بلقب أحسن مطرب في العشر سنوات الأخيرة: حازها في استفتاء جماهيري أقيم في تونس، وفي العام 2015 تم تقليده بالوسام العلوي من درجة قائد، وذلك في احتفال بهيج أقيم في قصر نرشان بطنجة بمناسبة الذكرى الثانية والخمسين لميلاد ملك المغرب محمد السادس، كما تم تكريمه في مهرجان الزمن الجميل بدورته السادسة عن مجمل مسيرته الفنية 2023.

وجاء رحيل الفنان هاني شاكر ليطوي صفحة ناصعة من ديوان الطرب العربي الأصيل، ولينهي مسيرة آخر من تبقى من عنقود فناني الزمن الجميل في مصر.

وقد نعاه ابنه شريف على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي إنستغرام كاتبا “بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، أنعى والدي وصديقي وظهري وسندي وحبيبي وأخويا، فقيد الوطن العربي أمير الغناء العربي هاني شاكر. لم أفقد أبا فقط، بل فقدت روحي وأقرب إنسان إلى قلبي، اللهم ارحمه واغفر له واجعل مثواه الجنة. إنا لله وإنا إليه راجعون”.

وقد نعته نقابة المهن الموسيقية، برئاسة الفنان مصطفى كامل، ببالغ الحزن والأسى، مؤكدة وفاة الفنان الكبير الذي وافته المنية بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإنجازات، شكلت علامة فارقة في تاريخ الغناء العربي.

وتقدم الفنان مصطفى كامل نقيب المهن الموسيقية ومجلس النقابة وأعضاء الجمعية العمومية بخالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الفنان.

على مدار مسيرة امتدت لعقود، شكل هاني شاكر جسر التواصل بين عصري الكلاسيكية والحداثة في الغناء العربي

وأكدت النقابة، في بيانها، أن الراحل يُعد أحد أبرز رموز الفن في مصر والوطن العربي، حيث استطاع عبر عقود من الإبداع أن يحافظ على مكانته بصفته أحد أهم الأصوات التي عبرت عن وجدان الجمهور، من خلال أعماله التي تميزت بالرقي والإحساس العالي.

وأضافت أن رحيل هاني شاكر يمثل خسارة كبيرة للساحة الفنية، كان نموذجًا للفنان الملتزم صاحب الرسالة، الذي حافظ على القيم الفنية الأصيلة وقدم فنًا راقيًا يليق بتاريخ الموسيقى العربية، مؤكدة أن إرث الفنان هاني شاكر سيظل حاضرًا في قلوب محبيه، وستبقى أعماله شاهدة على مسيرة فنية استثنائية لن تتكرر.

وفي يوليو 2015، تولى الفنان هاني شاكر منصب نقيب المهن الموسيقية، إذ حصل على 462 صوتًا مقابل 394 لمصطفى كامل، وفي الثامن والعشرين من يوليو 2022 أعلن استقالته من منصب النقيب، بعد المشادات التي شهدها المؤتمر الصحفي الذي عقدته النقابة والجدل الذي رافقها حول مطرب المهرجانات حسن شاكوش، وقال حينها “بعد هذه الرحلة التي قضيتها في نقابة المهن الموسيقية، وجلوسي على هذا الكرسي المحترم الذي يتشرف به كل فنان، أقدم استقالتي على الهواء وهذا قرار نهائي”.

وتحدث الفنان هاني شاكر عن الأزمة التي حدثت بين أعضاء نقابة الموسيقيين، والتي دفعته إلى إعلان استقالته، وقال إنه لا يريد الاستمرار في النقابة، وأكد أنه لا يريد الخوض في التفاصيل، ولكنه حزين بسبب الأزمة الأخيرة التي حدثت داخل النقابة، والتي جعلت البعض يهاجم موقفه من مطربي المهرجانات.

ونعت نقابة المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف زكي، وفاة أمير الغناء العربي الفنان الكبير هاني شاكر، الذي قالت إنه رحل تاركا إرثا فنيا وإنسانيا خالدا في وجدان الوطن العربي.

وأكدت النقابة في بيانها أن الراحل كان “قيمة فنية كبيرة وصوتا استثنائيا أثرى الساحة الغنائية لعقود طويلة، وقدم مسيرة حافلة بالإبداع والاحترام والمحبة، وظل نموذجا للفنان الراقي صاحب الموقف والكلمة”.

وقال الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية “فقدنا اليوم قامة فنية وإنسانية كبيرة، الفنان هاني شاكر لم يكن مجرد مطرب عظيم، بل كان رمزا للرقي والاحترام والفن الحقيقي، وستظل أعماله وصوته حاضرَين في قلوب جمهوره ومحبيه، خالص العزاء لأسرته ولكل محبيه في مصر والوطن العربي”.

الأب المكلوم
أحد أهم الأصوات التي عبرت عن وجدان الجمهور، من خلال أعماله التي تميزت بالرقي والإحساس العالي

كان خضر عكنان مدير أعمال الفنان الراحل، وجه رسالة مؤثرة كشف فيها حجم الضغوط والتحديات النفسية التي يعيشها المقربون من النجم خلال المرحلة الحساسة، في ظل انتكاسته الصحية، وقال في منشور سابق عبر حسابه الرسمي على إنستغرام، إن ما يعيشه اليوم لا يُقاس بالوقت، بل بثقل الشعور، واصفًا المرحلة الراهنة بأنها من أقسى اللحظات التي واجهها في حياته، مشيرا إلى أنه لمس عن قرب الجانب الإنساني العميق الذي يتسم به هاني شاكر.

والأسبوع الماضي، تواصلت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مع نهلة توفيق، زوجة الفنان الكبير هاني شاكر، للاطمئنان على آخر تطورات الحالة الصحية للفنان القدير، والوقوف على مدى استقرار وضعه الصحي، حيث كان يستكمل علاجه تحت إشراف طبي متخصص في أحد المستشفيات في فرنسا.

وعاش الفنان الكبير، تجربة مأساوية، قال إنها كسرت ظهره، وحرمته النوم، في إشارة إلى وفاة ابنته دينا التي رحلت عن عالمنا في الثاني والعشرين من يونيو 2011، عن عمر 27 عاما.

واكتشف هاني شاكر إصابة ابنته بمرض السرطان بعد أن أنجبت طفليها التوأم مجدي ومليكة، وانقطع عن الغناء لمدة عام ونصف العام، رافق خلالها ابنته في رحلات علاجها إلى أن توفيت وهي في ريعان الشباب، لتترك والدها في حالة من الحزن الممزوج بالألم الذي استمر معه لسنوات طويلة.

وقد تركت دينا وصية لوالدها بألا يتوقف عن الغناء، وهو ما نفذه شاكر بالفعل وظل يغني من أجلها، وفي ذكرى وفاتها الرابعة أهداها أغنية تحمل اسم “برواز صورتك”، وكتب في مقدمة الكليب “إهداء إلى أغلى وأحلى الناس.. حبيبتي دينا”، وتضمن الفيديو مجموعة صور تجمع الفنان المصري بابنته دينا، في مناسبات مختلفة.

رحل هاني شاكر عن الحياة، ولكنه لن يموت، فهو صوت خالد في ذاكرة الفن العربي الأصيل وفي وجدان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، بإبداعاته التي تعبر عن مشاعر وتطلعات الإنسان، وتتعايش مع أحلامه وآلامه وأفراحه وأتراحه، والتي تراوحت بين التقليدي الراسخ في أصالته والحديث المتجدد في مواكبته لروح العصر.

اضف تعليقك