موريتانيا الأولى عربيًا في حرية الصحافة.. لكنها تتراجع عالميًا

2026/05/04م

(عاد/ فرنسا) متابعات:

واصلت موريتانيا تصدرها مؤشر حرية الصحافة في العالم العربي، فيما أكد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني التزامه بمواصلة دعم صحافة مهنية ومسؤولة، تؤدي رسالتها بحرية وشفافية مع احترام أخلاقيات المهنة. وأشاد في تدوينة نشرها على حسابه بمنصة “إكس”، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، بالدور الذي يضطلع به الصحفيون في ترسيخ الوعي المجتمعي وتعزيز قيم المواطنة.

وقال الغزواني إن الصحفيين يسهمون في بناء مجتمع واعٍ بحقوقه، ملتزم بواجباته، ومتشبث بقيم المواطنة، مؤكدًا أهمية الرسالة الإعلامية في مواكبة قضايا المجتمع ونقل المعلومات بمهنية ومسؤولية.

ودعت نقابة الصحفيين الموريتانيين إلى تعزيز حماية الصحفيين أثناء أدائهم مهامهم المهنية، وضمان عدم تعرضهم لأي تضييق أو مضايقات قد تعيق عملهم، إضافة إلى تحسين أوضاعهم المادية والمهنية.

وأبرزت النقابة في بيان أن هذه الدعوة تأتي في إطار الحرص على ترسيخ بيئة مهنية آمنة تمكّن الصحفيين من أداء رسالتهم في ظروف ملائمة، وبما يضمن استقلالية العمل الصحفي. وأضافت أن تخليد هذه المناسبة يشكل فرصة للتأكيد على أهمية حرية الصحافة باعتبارها ركيزة أساسية للديمقراطية ووسيلة لخدمة المجتمع والرأي العام، مشيرة إلى ضرورة توفير الشروط القانونية والمهنية التي تكفل للصحفيين القيام بمهامهم دون ضغوط. ودعت النقابة إلى تحسين الأوضاع المادية للصحفيين، والرفع من مستويات الرواتب، وتوفير بيئة عمل لائقة وآمنة، إلى جانب الإسراع في معالجة بقية المطالب المهنية العالقة.

وشددت على مواصلة جهودها للدفاع عن حقوق الصحفيين، وتطوير المهنة وترسيخ أخلاقياتها، وتعزيز حرية الصحافة. جاء ذلك بينما واصلت موريتانيا تصدرها للدول العربية في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وفق التقرير الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، مقابل تراجع تصنيفها الدولي بانخفاض 11 مركزًا عن العام الماضي.

وقالت المنظمة إن تراجع ترتيب موريتانيا جاء نتيجة عوامل اقتصادية وهشاشة قطاع الإعلام، إضافة إلى تأخر تنفيذ إصلاحات وصفتها بالضرورية لحماية الصحفيين ودعم المؤسسات الإعلامية. وحذرت من أن حرية الصحافة في العالم بلغت أدنى مستوى لها منذ ربع قرن، إذ إن الوضع في أكثر من نصف دول العالم صعب أو خطير للغاية، حيث “لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية”.

وعزت هذا التدهور إلى “اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، ولا سيما في ظل تنامي سياسات الأمن القومي” منذ عام 2001، السنة التي وقعت فيها هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة.

في السياق ذاته، قالت رابطة الصحفيين الموريتانيين إنها تتابع بقلق بالغ الأوضاع المهنية والاجتماعية التي يعيشها الصحفيون في موريتانيا، في وقت يفترض أن يشكل فيه الاحتفاء بحرية الصحافة مناسبة جادة لتقييم واقع المهنة، والوقوف عند التحديات البنيوية التي ما تزال تعيق تطورها، وتضعف مكانة الصحفي المهني، وتؤثر سلبًا على مصداقية الإعلام الوطني.

وتابعت الرابطة أنها ظلت على مدى سنوات تنبه إلى أن حرية الصحافة لا تكتمل بالشعارات وحدها، ولا تُقاس فقط بوجود هامش من التعبير، بل تتطلب كذلك بيئة مهنية سليمة، وضمانات قانونية ومؤسسية واضحة، وظروف عمل تحفظ كرامة الصحفي وتمكنه من أداء رسالته باستقلالية ومهنية ومسؤولية. وأوضحت الرابطة أن من أبرز الإشكالات التي باتت تهدد الحقل الإعلامي الوطني: استمرار تدني أجور الصحفيين، وهشاشة أوضاعهم الاجتماعية، وغياب الضمانات المهنية الكافية، بما في ذلك العقود العادلة والتغطية الاجتماعية والتصنيف المنصف وآليات الحماية أثناء أداء العمل. كما سجلت الرابطة بقلق استمرار الخلط بين الصحفي المهني والفاعل في منصات التواصل الاجتماعي، في تمييع واضح لمفهوم الصحافة، وإضعاف لمعايير المهنة، وإضرار مباشر بمصداقية العمل الصحفي الجاد. وأضافت أن هذا الخلط، الذي يجري التساهل معه أو التغاضي عنه، لا يسيء فقط إلى الصحفيين المهنيين الذين تلقوا التكوين ويخضعون لأخلاقيات المهنة وضوابطها، بل يفتح المجال أيضًا أمام الفوضى والتشويش، ويحول دون بناء قطاع إعلامي محترف واضح المعايير ومحصن ضد العبث والارتجال.

وأعربت الرابطة عن أسفها لكون وزارة الثقافة والاتصال ما تزال، حتى الآن، عاجزة عن تقديم استراتيجية واضحة وجادة لإصلاح القطاع الإعلامي، وتنقيته من مظاهر التمييع، ووضع حد للفوضى المهنية، وتحسين أوضاع الصحفيين المادية والاجتماعية. فبدل الاضطلاع بدورها في تنظيم المهنة وترقية المؤسسات الإعلامية وصيانة مكانة الصحفي المهني، ظل التعاطي الرسمي مع هذا الملف دون مستوى التحديات والانتظارات.

وقالت الرابطة في بيان بتوقيع رئيسها موسى ولد بهلي إنها “إذ تجدد الرابطة تثمينها الكبير لتعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بترسيم الصحفيين في مؤسسات الإعلام العمومي، باعتبارها خطوة تاريخية طال انتظارها، ونتيجة لنضال طويل خاضه الصحفيون لعقود من أجل إنهاء الهشاشة والغبن داخل القطاع، فإنها تسجل في المقابل بأسف شديد أن الوزارة المسؤولة قد أساءت إلى هذا الإنجاز الكبير عبر التلاعب بعقود الصحفيين المرسمين، وحرمان عدد منهم من التصنيف المهني الذي يستحقونه، الأمر الذي ترتب عليه، بشكل مفارق وغير مقبول، انخفاض في أجور بعضهم بعد الإكتتاب بدل تحسينها، وهو ما يشكل مساسًا بروح الإصلاح وتنغيصًا لإنجاز كان يفترض أن ينصف الصحفيين لا أن يضاعف شعورهم بالغبن”.

وتابعت رابطة الصحفيين الموريتانيين أنها إذ تذكر بأنها كانت في صدارة المدافعين عن هذا المسار، فإنها تؤكد أن أي إصلاح لا ينعكس إيجابًا على الوضع المهني والاجتماعي للصحفيين يبقى إصلاحًا منقوصًا، وأن أي معالجة إدارية أو مالية تُفرغ الترسيم من مضمونه العادل والمنصف تمثل تراجعًا مرفوضًا يجب تصحيحه بشكل عاجل.

وأكدت الرابطة مطالبتها بمراجعة عاجلة لوضعية الصحفيين المرسمين في مؤسسات الإعلام العمومي، بما يضمن تصنيفهم العادل وإنصافهم ماديًا ومهنيًا، ورفع كل المظالم المترتبة على الاختلالات التي شابت هذا المسار.

كما دعت إلى وضع استراتيجية وطنية واضحة لإصلاح قطاع الصحافة، ترتكز على ضبط الولوج إلى المهنة، والتمييز الصارم بين الصحفي المهني وصناع المحتوى والفاعلين في التواصل الاجتماعي. وطالبت أيضًا بتحسين ظروف العمل والأجور والضمانات الاجتماعية للصحفيين في القطاعين العام والخاص، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لأي حديث جاد عن حرية الصحافة وجودة الإعلام.

وأكدت على ضرورة حماية مصداقية العمل الصحفي من كل أشكال التمييع والفوضى التي تهدد المهنة وتسيء إلى دورها الديمقراطي والمجتمعي، داعية السلطات العمومية إلى التعامل الجاد والمسؤول مع مطالب الصحفيين بوصفها مطالب مهنية مشروعة لا يمكن تجاوزها إذا كانت هناك إرادة حقيقية لبناء إعلام وطني مهني وموثوق.

وفي الختام، أكدت رابطة الصحفيين الموريتانيين أن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينفصل عن الدفاع عن الصحفي نفسه: عن كرامته وحقوقه ووضعه الاعتباري ومكانته المهنية. كما تؤكد أن استمرار الهشاشة والخلط والارتجال وغياب الرؤية الإصلاحية يهدد مستقبل المهنة، ويستوجب وقفة مسؤولة من جميع المعنيين قبل أن تتفاقم الاختلالات أكثر.

ويرى مراقبون أن تصدر موريتانيا العالم العربي في حرية الصحافة لا يعني قوتها في هذا المجال الحيوي بقدر ما يكشف عن تدهور الحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية الصحافة والتعبير، في البلاد العربية التي تمر بمرحلة صعبة من تكميم الأفواه وكتم الأصوات وتكسير الأقلام.

اضف تعليقك