على ضوء الإزمات القاتلة في حضرموت… كيف نفهم السياسة السعودية فيها ؟؟؟

يلاحظ هذه الايام تذمرا واسعا في اوساط القوى الحضرمية المستقلة ازاء السياسة السعودية في حضرموت بل ويحملونها العبئ الأكبر من الفشل والانتكاسة والازمات التي تعاني منها حضرموت في مختلف المجالات متذ دحر الغزو الانتقالي لحضرموت في يناير ٢٠٢٦م.

فهل هذا التذمر الحضرمي له مشروعيته؟؟؟ ام ان الامر خلاف ذلك !!!

ولفهم هذه الإشكالية ، علينا استيعاب الأجندة السعودية في حضرموت ، فهي تتعامل مع المشهد الحضرمي بعيدا عن عقلية “الخطاب العاطفي والمظلومية وانما وفقا لمبدأ الشراكة الجيوسياسية البراغماتية. فالمملكة دولة مؤسسات كبرى تُدير ملفاتها الخارجية عبر حسابات دقيقة للمصالح، والمخاطر، والبدائل.

حيث ترتكز استراتيجية تعاملها على التالي:

1. ان تكون “حضرموت” عامل استقرار، لا كملف أزمات إضافي، يثير قلق صانع القرار في الرياض ، من حيث نشوء بؤر توتر جديدة على حدوده الجنوبية ، تشغله عن مشاريعه التنموية وسياساته الإستراتيجية الداخلية والخارجية (رؤية 2030).

2. اللعب تحت “مظلة الشرعية والدولة الحالية” (تجنب فوبيا المليشيات)

فلدى السعودية حساسية مفرطة وناتجة عن تجارب مريرة من الكيانات والتشكيلات التي تنشأ خارج إطار الدولة، وتراها مشاريع غير متوقعة السلوك والمآلات (Unpredictable).

حيث يجب أن تصاغ الروئ الحضرمية وتُقدم للمملكة من خلال قنوات شرعية وقانونية. حتى عند المطالبة بتمكين أبناء المحافظة عسكرياً وأمنياً، يجب أن يتم ذلك عبر المطالبة بدمجهم وتأطيرهم تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية (كما هو حال “درع الوطن” والنخبة الحضرمية)، بدلاً من المطالبة بجيوش قبلية أو مناطقية منفصلة.

3. التماهي مع المصالح الأمنية والاقتصادية الحيوية للمملكة

ومنها تأمين الشريط الحدودي الطويل، ومكافحة التهريب، وضمان أمن الملاحة والمنافذ، فهي أولويات أمن قومي سعودي لا تقبل المساومة.

4. صناعة “مرجعية حضرمية موحدة وموثوقة” (مخاطبة الرياض بلغة واحدة)

فتعدد المكونات الحضرمية وتنافسها (حلف، جامع، مرجعية ، هبة، مجلس وطني، عصبة وغيرها) يجعل السعودية تفضل التعامل مع “المركز/الشرعية” لتجنب الدخول في تفاصيل الخلافات الحضرمية.

والمطلوب:هو العمل على خلق “كتلة تاريخية” أو تنسيقية عليا تجمع المكونات المستقلة والشخصيات القبلية والتكنوقراط، لتتحدث مع الرياض بوفد موحد ورؤية واحدة واضحة. فعندما تجد المملكة شريكاً حضرمياً واحداً يمتلك ثقلاً على الأرض ويتميز بالنضج السياسي، سيتعاظم الاعتماد عليه كبديل للأحزاب المركزية التابعة لصنعاء اولعدن.

5. الاستفادة من “البُعد الاجتماعي والاقتصادي” للحضارم في المملكة

حبث تمتلك حضرموت ورقة رابحة نادراً ما تُحسن استخدامها سياسياً، وهي الجالية الحضرمية الضخمة والمؤثرة في النسيج الاقتصادي والاجتماعي السعودي، والتي تحظى باحترام وتقدير عاليين لدى القيادة والشعب السعودي.

والمطلوب:هو تفعيل دور النخب التجارية والفكرية الحضرمية المتواجدة في المملكة لتقوم بدور “الدبلوماسية الشعبية” والوساطة الإيجابية، لنقل تطلعات الداخل الحضرمي إلى مراكز صناعة القرار في الرياض بشكل هادئ ورصين، بعيداً عن ضجيج الإعلام .

ويبدو ان القيادات السياسية الرسمية والشعبية والنخب الحضرمية المستقلة لم تستوعب هذه الاجندة بشكل صحيح بل وتتصادم معها احيانا ، وهو ماينعكس سلبا على الأوضاع المتردية في حضرموت ، المتمثلة في :

١) تدهور الوضع السياسي والإداري والاقتصادي والامني والخدماتي والجماهيري في حضرموت بشكل مريع أسوا مماكان عليه قبل الغزو الإنتقالي. ويتجلى ذلك كما يلي :

أ) سلطة محلية بالمحافظة والمديربات ضعيفة جدا وليس لها اي حضور فعلي في المشهد الحضرمي.

ب) تسلط مركزي حاد بحيث تدار كل شؤون حضرموت صغيرها وكبيرها عبر العليمي والمؤتمر الشعبي العام.

ج)تراجع وغياب اي دور للمكونات السياسية والقبلية والمدنية الحضرمية المستقلة في المشهد الحضرمي. وتعيش حالة توهان وعدم حضور سياسي او اعلامي او جماهيري .

د) سيطرة مطلقة للانتقالي على المشهد الحضرمي سياسيا واعلاميا وجماهيريا .

٢ ) عدم حضور فاعل للحليف السعودي في حضرموت ، لتلافي هذه الإخفاقات والازمات الحادة فيها .

**وباختصار:**

فإن كسب تأييد المملكة لا يأتي عبر استجداء الدعم أو عبر محاولة الضغط عليها بفرض أمر واقع، بل عبر إقناعها بالدليل والبرهان السياسي والعسكري بأن **”حضرموت قوية، مستقرة، ومحكومة من أبنائها تحت مظلة الدولة الحالية المؤقتة”** هي الأصول الإستراتيجية الأفضل لحماية الأمن القومي السعودي والمصالح المشتركة للبلدين.

وبالمقابل يقع ايضا على الجانب السعودي ان تاخذ في الحسبان ان حضرموت تمثل لها عمقا استراتيجيا وامنيا لايمكن لها الإستغناء عنها وان الحضارم المستقلين هم الاكثر وفاءا ومصداقية والأقدر أكثر من غيرهم، على تحقيق وضمانة هذه التطلعات السعودية في حضرموت . وهذا يتطلب منها الاسراع في دعم الحضارم المستقلين لتشكيل حاملهم السياسي المعبر عن تطلعاتهم وان تمثيل حضرموت ليس محصورا فقط في هذه الوجوه القيادية التقليدية ، التي تراوح في مكانها ، بل عليها مد الجسور مع النخب الأكاديمية والاعلامية والسياسية وممثلي المنظمات المدنية. المغمورة في ظاهرها والفاعلة في واقعها .

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك