تحقيقاً للوعد الذي قطعناه للدكتور علي الزامكي عبر الموقع النخبوي (الجنوب ومتطلبات المرحلة القادمة) ، بأن نكتب عن أم المدائن عدن، ها نحن اليوم نمعن العصف الذهني لنمنح هذه المدينة الجميلة بعضاً من حقها في الظهور الإعلامي. لكن يبقى السؤال ملحاً: كيف نكتب عنها؟ أَنكتب عن ماضيها المزدهر أيام الحماية البريطانية، وسوقها الحرة، وشهرتها التي تجاوزت الآفاق حتى وُصفت بـ”هاف لندن”، أم عن حاضرها الكئيب تحت حكم من دمروها وهم يدّعون الانتماء إليها زوراً وبهتاناً؟وقد يرى البعض ان المقالة فيها جلد للذات . ولكنها الحقيقة المرة كما رايتها و لربما افادتنا لتجاوز عثراتنا .
ولأنني أميل إلى الحديث عن الجوانب المشرقة في حياة الشعوب، فسأبدأ بالخلفية التاريخية للمدينة، على أن نتناول واقعها الراهن في مقالات لاحقة.
منذ مطلع القرن العشرين وحتى عام 1967م، كانت عدن مدينة نابضة بالحياة، ومركزاً اقتصادياً وتجارياً ومالياً وإعلامياً وثقافياً وفنياً ورياضياً بارزاً على مستوى المنطقة. ازدهر ميناؤها العالمي، ونشطت فيها الحركة المصرفية والتجارية، واحتضنت المدارس والنوادي والصحف والمسارح، واستقطبت المستثمرين والمهنيين من مختلف أنحاء العالم.
كما شكلت نموذجاً فريداً للتعايش والسلام المجتمعي، حيث تعايشت فيها الأديان المختلفة من إسلام ومسيحية ويهودية وهندوسية، إلى جانب أعراق متعددة من العرب والهنود والصوماليين والأحباش والإنجليز وغيرهم، في ظل دولة المؤسسات وسيادة النظام والقانون دون تمييز بين السكان.
ومع منتصف الستينيات بدأت رياح التغيير المدمرة ، تهب على المدينة تحت تأثير المد القومي العربي والناصري والماركسي والليبرالي الذي اجتاح المنطقة العربية والاسلامية بتوجبه من الحكومة العالمية اليهودية الخفية لتفتيتها والهيمنة عليها.
وأيضا تحت تأثير ثورة سبتمبر في شمال اليمن. وتصاعدت الاحتجاجات النقابية والجماهيرية، ثم تحولت إلى مواجهات مسلحة ضد البريطانيين، ترافقت مع صراع دموي بين جبهة التحرير والجبهة القومية، حتى قررت بريطانيا الرحيل عن عدن ومحميات الجنوب لغرض في نفس يعقوب.
ومع الاستقلال في 30 نوفمبر 1967م بدأت ملامح المدينة تتغير بصورة متسارعة. فقد انتقلت السلطة إلى قيادات الجبهة القومية، وهي قيادات لا تمتلك اي خبرة او تأهيل علمي في ادارة الدولة ، وانما يحمل بعضهم ثقافات وفلسفات متناثرة غيرناضجة ، من مختلف المدارس القومية والماركسية والليبرالية والشعبوية التي عمت الوطن العربي حينها ومعظم قواعدهم لايعرفون الا ثقافة العسكرة والقتال في المعارك ، ولم بجمع هذه القيادات اي رابط وطني او ديني قوي ، وانما طغت علبهم الروابط المناطقية والقبلية التي تفجرت سريعا في اول خلافات بينهم ولازالت متفجرة حتى اليوم. فلاهم حملوا فكر حداثي متكامل لادارة الدولة ولاهم تمسكوا بالنمط التقليدي من خلال المشيخات والسلطنات ، التي تعايش معها المجتمع لسنين طويلة وشكلت رمزا لوحدتهم الوطنية ، واصبحت هذه القيادات تائهة وتاهت البلاد معهم.
ومنذ السنوات الأولى للاستقلال بدأت موجات الإقصاء والتصفيات السياسية، فاستهدفت جبهة التحرير ورابطة أبناء الجنوب والسلاطين وأنصارهم، ثم طالت عدداً من القيادات العسكرية والأمنية وكثيراً من الكوادر المدنية والتكنوقراط الذين أسهموا في إدارة حكومة الاتحاد. ولم تلبث الخلافات أن انتقلت إلى داخل الجبهة القومية نفسها، لتدخل البلاد في دوامة من الصراعات والانقسامات الدموية التي ستتكرر في أكثر من محطة تاريخية لاحقة.
وهكذا يرى كثيرون أن عام 1967م لم يكن فقط عام الاستقلال السياسي، بل كان أيضاً بداية تآكل كثير من مقومات عدن التي صنعت تميزها لعقود طويلة. فمن مدينة عُرفت بالانفتاح والاستقرار والتنوع والإزدهار وكانت قبلة الشرق الأوسط وسميت ( بهاف لندن )، بدأت رحلة الانحدار التدريجي نحو أزمات وصراعات لا تزال ماثلة حتى اليوم.
وفي الحلقة القادمة سنتناول جانباً من الصراعات الداخلية التي عصفت بقيادات الجبهة القومية، خلال الفترة ٦٧م _ ٩٠م ، وكيف انعكست على عدن والجنوب بصورة عامة.



















