لم تعد المعركة الحضرمية اليوم معركة حدود أو جغرافيا أو صراع على المناصب، بل أصبحت معركة وعي وإرادة وقدرة على إقناع صانع القرار الإقليمي والدولي بأن حضرموت تستحق أن تُدار بأيدي أبنائها لا بأيدي السماسرة السياسيين وتجار الولاءات الذين اعتاشوا لعقود على ثرواتها وقضاياها ومعاناة أهلها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن حضرموت كانت دائماً الخاسر الأكبر من صراعات الأحزاب اليمنية ومراكز النفوذ التقليدية. فكلما اشتدت الأزمات، كانت حضرموت تدفع الثمن من أمنها وثرواتها وخدماتها، بينما تتقاسم القوى الحزبية المكاسب والمناصب وتقدم نفسها للخارج باعتبارها الوصي الشرعي الوحيد على المحافظة.
واليوم، وبعد كل ما شهدته الساحة من تحولات، بات من الضروري أن تدرك النخب الحضرمية المستقلة أن الطريق إلى كسب الدعم السعودي لا يمر عبر الشعارات الثورية أو بيانات الغضب أو الصدام المباشر، بل عبر إثبات حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
أن الحضارم هم الأقدر على حماية حضرموت، والأصدق في الشراكة مع المملكة، والأقل تكلفة على أمنها واستقرارها ومصالحها الاستراتيجية.
إن المملكة العربية السعودية لا تبحث عن خطباء يجيدون رفع الشعارات، بل عن شركاء يمكن الاعتماد عليهم ساعة الأزمات. وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام القوى الحضرمية المستقلة.
لقد نجحت بعض القوى الحزبية المركزية لعقود طويلة ، في تسويق نفسها للرياض باعتبارها حامية الشرعية والمدافعة عن الدولة، بينما كانت في الواقع تعيد إنتاج الأزمات وتغذي الفساد وتستنزف الموارد وتفشل في بناء نموذج حكم قادر على كسب ثقة الناس ، بل وتشوه السياسة السعودية في حضرموت وتستفز الشعب الحضرمي ضد حليفه الإستراتيجي، من خلال حرب الخدمات وعلى راسها الكهرباء وارتفاع الأسعار والتجويع، وعدم تمكين الحضارم من ادارة أرضهم اداريا وامنيا وعسكريا واقتصاديا، والنهب المستمر لثرواتهم وتعيين قيادات ضعيفة تابعة عليهم.
ولذلك فإن المهمة الأولى أمام النخب الحضرمية اليوم هي كشف هذه الحقيقة بهدوء وحكمة وبالأدلة والوقائع لا بالصراخ والانفعالات.
وعلى الرياض أن ترى بالأرقام كيف أهدرت الثروات، وكيف تعطلت التنمية، وكيف تحولت بعض القوى التي تتحدث باسم الدولة إلى عبء على الدولة نفسها، وكيف أصبحت مصالحها الشخصية و الحزبية مقدمة على مصالح المواطن والوطن الحضرمي والتحالف.
وفي المقابل، يجب أن تقدم حضرموت نفسها كنموذج مختلف تماماً.
حضرموت التي تؤمن بالشراكة لا بالصراع.
حضرموت التي تحمي حدود المملكة ولا تهددها.
حضرموت التي تحارب التهريب والتطرف والفوضى.
حضرموت التي تفتح أبوابها للاستثمار الخليجي وتوفر بيئة آمنة للتنمية.
حضرموت التي تريد إدارة ثرواتها لخدمة أهلها دون أن تكون عبئاً على أحد.
حضرموت التي ترفض الفساد ونهب الثروات والتبعية المذلة لرئاسة وحكومة ليس لها من هم ، سوى امتلاء كروشها وحساباتها البنكية، وتضخم هياكل الدولة القيادية وامتصاص خيرات حضرموت.
إن أكبر خطأ ترتكبه القوى الحضرمية المستقلة هو تشتتها وتفرقها. فالسعودية لن تراهن على عشرات الأصوات المتصارعة مهما كانت عدالة مطالبها، لكنها قد تراهن على قيادة حضرمية موحدة تمتلك رؤية واضحة وخطاباً متزناً ومشروعاً قابلاً للتنفيذ.
لهذا فإن اللحظة التاريخية تفرض علىكل المكونات السياسية القبلية والمدنية والشخصيات الوطنية المستقلة والكفاءات الأكاديمية ورجال الأعمال أن يرتفعوا فوق الخلافات الجزئية وأن يشكلوا جبهة حضرمية موحدة تتحدث باسم حضرموت لا باسم الأشخاص أو التنظيمات.
كما أن على الحضارم الاستفادة من رصيدهم التاريخي الكبير داخل المملكة. فالحضرمي لم يكن يوماً غريباً عن السعودية، بل كان شريكاً في نهضتها الاقتصادية والتعليمية والتجارية، وحاضراً في نسيجها الاجتماعي بكل وفاء واحترام.
وهذه العلاقة التاريخية يجب أن تتحول إلى جسر للتواصل وبناء الثقة وإيصال الصوت الحضرمي الحقيقي إلى دوائر القرار بعيداً عن الضجيج الإعلامي والوسطاء والانتهازيين.
إن الرياض في نهاية المطاف لن تنحاز لمن يرفع الشعارات الأكثر صخباً، بل لمن يقدم الضمانات الأكثر قوة، ولمن يثبت أنه قادر على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية على الأرض وتامين حدودها الجنوبية من الفوضى واللادولة .
ومن هنا فإن الواجب الوطني اليوم هو أن تثبت النخب الحضرمية المستقلة أنها ليست مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل مشروع دولة ومؤسسات وإدارة رشيدة وشريك استراتيجي يمكن الاعتماد عليه.
فإذا نجح الحضارم في ذلك، فإن كل أوراق القوى التقليدية الحزبية المرتبطة بالشمال او الجنوب ، ستسقط تباعاً، وسيدرك الجميع أن زمن الوصاية على حضرموت قد انتهى، وأن المحافظة التي قدمت الثروة والاستقرار لعقود طويلة لن تقبل بعد اليوم أن تُدار من خارج إرادتها أو أن تُختزل في مصالح أحزاب أو مراكز نفوذ رسمية.
إن المعركة الحقيقية ليست مع أشخاص أو أحزاب، بل مع عقلية قديمة ما زالت تنظر إلى حضرموت باعتبارها خزينة أموال وساحة نفوذ.
أما حضرموت الجديدة، التي تنهض اليوم من بين ركام الأزمات، فإنها تريد أن تكون شريكاً كاملاً في القرار والثروة والمستقبل.
وهذه الرسالة يجب أن تصل إلى الرياض واضحة وصريحة:
إن الحضارم ليسوا مشكلة تحتاج إلى إدارة، بل فرصة استراتيجية تستحق الدعم والثقة والتمكين ، وهم ايضا شعب وفي مترامي الأطراف لاينسى حلفاءه.




















