أزمة هرمز أم رئيس؟

كاتب المقال:

عبدالله عمر باوزير

كاتب ومحلل سياسي حضرمي

أظنني لن أُجافي الصواب إذا ما قلت: إن الرئيس ترامب كرّر نفسه في قمة مجموعة السبع بمدينة “إيفيان” الفرنسية؛ فكثير من تصريحاته هناك لا تكاد تختلف عما سبق الاتفاق عليه مع إيران. فضلاً عن تصريحاته التي افتقرت إلى اللياقة تجاه إعلان الرئيس الفرنسي رغبة المجموعة في المشاركة بتأمين مضيق هرمز للملاحة، عندما قال: “لسنا بحاجة إلى ذلك”.. وقد أتبع ترامب قوله هذا — أو جسّد رفضه — في تلك المصافحة الجافة مع “المسيو” ماكرون، الذي ابتلعها ليس لكونه مستضيف القمة فحسب، بل لإدراكه أنه يقف أمام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.. ذلك الرئيس الذي يتصرف وكأنه رئيس العالم بأسره، والقادر بمفرده على حل مشاكله وصراعاته، وهي القدرة التي تغنى بها في حملته الانتخابية، لكنه لم يحل قضية غزة، ولا أوقف الحرب الروسية الأوكرانية.

ويكفي أنه وضع العالم في أزمة اسمها “مضيق هرمز”، الذي تكرر فتحه أمام الملاحة بمجرد توقيع الاتفاق مع إيران في سويسرا — اليوم الجمعة — ورغم ذلك، ما زال العالم، وبالذات أوروبا، يعيش على أعصابه. فمضيق هرمز لا يشكل أزمة لأمريكا بقدر الأضرار التي لحقت بأوروبا التي فقدت تدفقات الغاز والنفط الروسي، اعتماداً منها على أمريكا ما قبل ترامب. من هنا نفهم لماذا ابتلع ماكرون — وبقية قادة أوروبا — تصرفات ترامب تجاهه، تفادياً لتحويل المؤتمر إلى أزمة فرنسية-أمريكية مع رئيس يواجه بالأساس أزمة داخلية في بلاده؛ أزمة لا تتفاعل مع الكونجرس فحسب، بل ومع “الدولة العميقة” التي بدت في مواجهتها لترامب مشلولة، ولا عمل لها سوى تبييض وتلطيف الكثير من تصريحاته.

◻️◼️◻️◼️

الأزمات في العالم كثيرة في ظل التحولات التي تخشاها أمريكا، والتي دفعت بالرئيس المعادي للصين إلى زيارة “بكين”، وهي زيارة لم تحقق له كل مطالبه بحسب الصحافة الأمريكية وزميلتها البريطانية، نظراً لتطلعات بريطانيا هي الأخرى نحو بكين.. وقد شخّصت هذه الصحافة الأزمات الدولية واختزلتها في شخص الرئيس ترامب.

والسؤال هنا: هل كانت أزمة “مضيق هرمز” لتصبح أزمة دولية لولا الحرب السياسية والاقتصادية التي شنها “ترامب ونتنياهو” على إيران، بهدف تحويلها إلى دولة هامشية في مشروع إسرائيل لـ “شرق أوسط جديد”؟ وهو مشروع ترفضه دول المنطقة المحورية مثل السعودية، وتركيا، ومصر، فضلاً عن إيران.

وهذه هي أزمة ترامب، الذي أضحى اليوم أمام أزمة أخرى في علاقاته مع نتنياهو، الذي أظهر صلافة وعناداً أمام مطالب ترامب بإيقاف حربه على لبنان، أو على وجه الأدق مع حزب الله.. وهذا الأمر قد يُفقد ترامب ما اتفق عليه مع إيران، بل وقد يطيح بهيبة أمريكا لدى غالبية أصدقائها في الشرق الأوسط. وهي أزمة ستنعكس داخلياً على أمريكا، وقد تتصاعد داخل مؤسسات الدولة الاستراتيجية في مواجهة إدارة ترامب، الذي لم يحسب أي حساب للانتخابات النصفية للسلطة التشريعية (الكونجرس)، وحكام الولايات، ومجالسها النيابية المحلية في نوفمبر القادم.. وهذا يعني أن ترامب يعيش أزمة داخلية تضع حزبه الجمهوري أمام استحقاقات صعبة، وربما تضعه هو شخصياً أمام خيارات أشد صعوبة.

◻️◼️◻️◼️

لا أظنني أُجافي الصواب إذا ما قلت إن أزمة الرئيس ترامب صنعتها حالة من “الرغبوية الذاتية” لإنجاز ما لم يسبقه إليه الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض، مثل بوش الأب وبوش الابن، فضلاً عن أوباما الذي لم يغادر ذهنه قط، ولا يكف عن وضع نفسه في مقارنة معه بمبرر أو دون مبرر.

من هنا أستطيع القول: إن ترامب في أزمة، وأزمته أضحت مولّدة لأزمات داخلية وخارجية.. فالرجل الذي أتى إلى المكتب البيضاوي واضعاً مشاكل أمريكا الداخلية في مقدمة أولوياته، تحول بوضوح إلى مشكلة حقيقية لأمريكا داخلياً وخارجياً؛ الأمر الذي يهدد بزحزحة الولايات المتحدة عن قيادة العالم، وهذا ما لن تقبله “الدولة العميقة” التي أمست اليوم أمام أزمة رئيس.. لا أزمة مضيق هرمز!

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

عبدالله عمر باوزير

كاتب ومحلل سياسي حضرمي