(عاد/ العاصمة عدن) متابعات:
لم يعد التقدم الحوثي باتجاه عدن مجرد تحرك ميداني على جبهة يمنية متحركة، بل بات يطرح احتمال انتقال المعركة إلى مناطق أكثر حساسية بالنسبة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. فوصول مقاتلي الجماعة إلى مسافة نحو 80 كيلومتراً من العاصمة المؤقتة، وفق مصادر عسكرية نقلت عنها وكالة رويترز، يعيد إلى الواجهة مخاوف اتساع المواجهة في الجنوب، ويضع خطوط الاتصال بين عدن وتعز أمام تهديد غير مسبوق منذ سنوات.
وتكمن أهمية هذا التقدم في أنه لا يستهدف عدن بصورة مباشرة فقط، وإنما يضغط على شبكة الطرق والمرتفعات التي تربط مناطق سيطرة الحكومة بعضها ببعض. فالسيطرة على منطقة المقاطرة في محافظة لحج تمنح الحوثيين موقعاً مشرفاً على الطريق الرئيسي بين تعز وعدن، وهو آخر رابط بري متبقٍ بين المدينة المحاصرة ومناطق الحكومة، بحسب المصادر العسكرية.
ويعني ذلك أن الجماعة تحاول تحويل المكاسب الميدانية إلى أداة لتطويق القوات الحكومية وعزلها، بدلاً من الاكتفاء بالتوسع الجغرافي. فإغلاق الطرق أو تهديدها يضاعف صعوبة نقل التعزيزات والإمدادات، ويضع القوات المدافعة أمام خيارات أكثر تعقيداً، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تسمح بالسيطرة على الممرات الحيوية ومراقبة التحركات العسكرية.
وتكشف التطورات في المقاطرة وطور الباحة عن أهمية الجبهة الجديدة. فقد أفادت المصادر بأن الحوثيين شنوا هجوماً على مواقع القوات الحكومية في المقاطرة قبل أيام، وتمكنوا من السيطرة على المنطقة، ما دفع القوات الحكومية إلى التراجع باتجاه طور الباحة، حيث استمرت الاشتباكات عند أحد المعسكرات القريبة من الطرق المؤدية إلى عدن.
ولا يمثل هذا التقدم تهديداً للطريق بين عدن وتعز فحسب، بل يفتح المجال أمام محاولة تطويق القوات الحكومية المنتشرة على امتداد المرتفعات المطلة على مضيق باب المندب. وكانت هذه القوات قد استعادت مواقع في المنطقة قبل أسابيع، ما يجعل التقدم الحوثي اختباراً لقدرتها على الاحتفاظ بالمكاسب الدفاعية ومنع الجماعة من إعادة تثبيت حضورها في هذه المناطق.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه تعز من حصار متجدد بعد قطع الطريق الرئيسي المؤدي جنوباً إلى عدن. وقد أدى ذلك، وفق المعلومات التي أوردتها رويترز، إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص، إلى جانب نقص في الغذاء والوقود والأدوية. وبذلك لا تقتصر نتائج التقدم العسكري على إعادة توزيع خطوط السيطرة، بل تمتد إلى زيادة الضغط الإنساني على مدينة تعاني أصلاً من تداعيات سنوات الحرب.
وتكتسب التحركات الحوثية حساسية إضافية بسبب مكانة عدن بوصفها مركز الحكومة المؤقت ومقر مؤسساتها الرئيسية. فالمدينة التي كانت قد شهدت دخول الحوثيين إليها لفترة وجيزة في عام 2015، قبل طردهم منها، تجد نفسها اليوم أمام تهديد يتجاوز الهجمات الصاروخية أو القصف المتقطع إلى احتمال الاقتراب من خطوط الدفاع البرية.
وقد زادت الجماعة خلال الأسابيع الماضية من هجماتها على المدينة، وشمل ذلك قصف مطار عدن بعد دعوة السكان إلى إخلائه، إلى جانب استهداف القصر الرئاسي في أكتوبر. وتكشف هذه الهجمات عن سعي إلى إبقاء العاصمة المؤقتة تحت ضغط أمني وعسكري متواصل، حتى قبل الوصول إلى مواجهة برية مباشرة على مشارفها.
ومع ذلك، فإن الاقتراب إلى مسافة 80 كيلومتراً لا يعني أن السيطرة على عدن باتت وشيكة، فالمسافة الجغرافية لا تعكس وحدها طبيعة خطوط الدفاع أو قدرة القوات الحكومية على إعادة الانتشار. لكن التطورات تضع الحكومة أمام خطر تراجع قدرتها على حماية الممرات التي تربط مناطق نفوذها، وتمنح الحوثيين فرصة لفرض واقع عسكري جديد من دون خوض معركة شاملة داخل المدينة.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن اتساع المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. فقد كثف الحوثيون هجماتهم على السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية، في حين رد التحالف الذي تقوده المملكة بتكثيف الضربات على مواقع للجماعة داخل اليمن. وأدى ذلك إلى تراجع الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، وفتح جبهات جديدة في حرب لم تتوقف أسبابها السياسية والعسكرية.
كما أن السيطرة الحوثية السابقة على أجزاء من ساحل البحر الأحمر ومناطق قريبة من باب المندب تمنح التحركات في جنوب اليمن بعداً يتجاوز الصراع الداخلي. فالمضيق يمثل أحد أهم ممرات الملاحة الدولية، كما يرتبط بمسارات تصدير النفط السعودي نحو الأسواق الآسيوية. ومن ثم فإن توسيع النفوذ الحوثي على امتداد الساحل والطرق المؤدية إلى عدن يضيف ورقة ضغط جديدة إلى حسابات الجماعة الإقليمية.
وتواجه الحكومة اليمنية، في المقابل، تحدياً يتصل بقدرتها على توحيد الجبهة العسكرية وإعادة تنظيم خطوط الدفاع، في ظل تعدد القوى والتشكيلات المسلحة في الجنوب وتباين أولوياتها السياسية. فالدفاع عن عدن لا يتوقف على صد التقدم الحوثي وحده، بل يتطلب أيضاً الحفاظ على التنسيق بين القوى المناهضة للجماعة ومنع تحول التراجع الميداني إلى خلافات داخلية.
وتبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الأطراف الحكومية على وقف التقدم في المقاطرة وطور الباحة واستعادة تأمين الطريق بين تعز وعدن. فإذا تمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم الجديدة، فقد يتحول الضغط على العاصمة المؤقتة إلى واقع عسكري طويل الأمد، يضعف قدرة الحكومة على إدارة مناطقها ويزيد من هشاشة الوضع الإنساني.
أما إذا نجحت القوات الحكومية في احتواء الهجوم وإعادة فتح خطوط الاتصال، فقد يتراجع خطر التوسع نحو عدن، من دون أن يعني ذلك نهاية التصعيد على الجبهات الأخرى. وبين الاحتمالين، تبدو المدينة أمام اختبار جديد، فيما يتحول جنوب اليمن تدريجياً إلى إحدى ساحات المواجهة الأكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية.
























