خطة إسرائيلية لتفكيك وكالة الأونروا ونقل مهامها في غزة والضفة

2026/11/02م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

تتسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية إلى إنهاء دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، لتدخل تفاصيل المقترح الإسرائيلي الموجه إلى جهات دولية وإقليمية حيز التداول الجاد برؤية تهدف إلى تصفية الوجود الإداري والخدمي للوكالة في قطاع غزة والضفة الغربية ونقل مهامها بالكامل إلى كيانات بديلة.

ولم يعد الأمر مجرد تلويح سياسي، بل تحول إلى استراتيجية عمل ومقترح منظم يحمل تداعيات سياسية وإنسانية بالغة التعقيد، تتقاطع فيه الحسابات الأمنية الإسرائيلية بالترتيبات الإقليمية لمرحلة ما بعد الحرب.

وتستند الرؤية الإسرائيلية الجديدة إلى إنهاء تفويض “الأونروا” عبر مسارين متوازيين: الحظر القانوني والتشريعي داخل الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وتأمين قنوات دولية بديلة لتولي مهام الإغاثة والتعليم والخدمات الطبية.

ووفقاً للتقارير المستندة إلى المقترح الإسرائيلي، فإن الخطة لا تدعو إلى فراغ خدمي مفاجئ قد يفجر الأوضاع الإنسانية، بل ترسم ملامح “مرحلة انتقالية” يتم خلالها تفكيك بنية الوكالة وتوزيع قطاعاتها على منظمات أممية ودولية أخرى مثل برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية، وصولاً إلى تسليم هذه المقار والمسؤوليات بالكامل إلى جهات محلية وإقليمية.

وفي غزة، تبدو الخطة أكثر راديكالية؛ إذ تسعى إسرائيل إلى إقصاء الوكالة تماماً من معادلة “اليوم التالي” للحرب، مستغلةً التدمير الشامل للبنى التحتية لإعادة صياغة النظام الإغاثي من الصفر. أما في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإن التركيز ينصب على سحب السيادة الإدارية للوكالة على المخيمات، وإجبار مؤسساتها التعليمية والصحية على الانصياع لإشراف مباشر من السلطة الفلسطينية أو بلديات إسرائيلية في القدس، مما يعني عملياً تذويب “خصوصية اللجوء” داخل الهياكل الإدارية القائمة.

ويطرح المقترح الإسرائيلي مصفوفة من البدائل التي يعتقد أنها قادرة على ملء الفراغ الذي سيخلفه غياب الأونروا، وتتوزع هذه البدائل على ثلاثة مستويات رئيسية، أولها المنظمات الأممية المتخصصة عبر تحويل ميزانيات الأونروا ومستودعاتها وصلاحياتها في مجالات الإمداد الغذائي والرعاية الصحية الطارئة إلى “برنامج الإنمائي للأمم المتحدة” ومنظمات دولية أخرى لا تحمل الصبغة السياسية لحق العودة.

أما البديل الثاني فهو السلطة الفلسطينية والهيئات المحلية وذلك بنقل قطاع التعليم العريض (الذي يشكل الكتلة الأكبر من موظفي الأونروا وميزانيتها) إلى وزارة التربية والتعليم التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، مع البحث عن صيغة تكنوقراطية مشابهة لغزة، لضمان استمرار المدارس دون المناهج والرموز المرتبطة بالوكالة.

كما تبرز الشركات الإنسانية الخاصة والتحالفات الإقليمية كبديل آخر. وسيتم ذلك عبر إشراك قوى إقليمية ودولية في إدارة صناديق مالية مباشرة تشرف على مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، بعيداً عن مظلة الأمم المتحدة التقليدية، وتحت رقابة أمنية مشددة.

وتواجه هذه الخطة عقبات هيكلية كبرى تجعل من تطبيقها قنبلة موقوتة؛ فالأونروا ليست مجرد منظمة توزيع مساعدات، بل هي بمثابة “شبه دولة” تدير مئات المدارس والعيادات الطبية وتوظف عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

إن نقل هذه المنظومة الضخمة إلى السلطة الفلسطينية، التي تعاني أصلاً من أزمة مالية خانقة وعجز عن سداد رواتب موظفيها، يبدو أمراً غير واقعي دون تدفقات مالية دولية ضخمة ومستقرة، وهو ما لا تضمنه الخطة الإسرائيلية. علاوة على ذلك، فإن المنظمات الدولية الأخرى مثل “الصليب الأحمر” أو “برنامج الغذاء العالمي” ليست مجهزة هيكلياً ولا تملك التفويض القانوني لإدارة قطاعات خدمية مستدامة كالتعليم المدرسي طويل الأمد لمليون ونصف المليون طفل.

وأبعد من الشق الإنساني واللوجستي، يحمل قرار إغلاق الأونروا أبعاداً سياسية استراتيجية واضحة؛ فبالنسبة لإسرائيل، تمثل الأونروا الرمز القانوني والسياسي الأبرز لاستمرار “قضية اللاجئين الفلسطينيين” وتوريث صفة اللجوء عبر الأجيال. وترى الدوائر السياسية في تل أبيب أن بقاء الوكالة يحافظ على حيوية “حق العودة” كعقبة أساسية أمام أي تسوية سياسية مستقبلاً.
وبناءً عليه، فإن تفكيك الوكالة ونقل مهامها إلى جهات حكومية أو منظمات إغاثية عامة يهدف بالأساس إلى إسقاط “التعريف القانوني الدولي” للاجئ الفلسطيني، وتحويل مجتمع اللاجئين من كتلة سياسية ذات حقوق معترف بها دولياً إلى مجرد “مجتمعات محتاجة لرعاية إنسانية واقتصادية” يمكن دمجها وتوطينها في مناطق تواجدها الحالية.

وتضع هذه الخطة المجتمع الدولي أمام سيناريوهات معقدة؛ فبينما تقاوم الأمم المتحدة والأمين العام هذه الإجراءات باعتبارها خرقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية وتعدياً على تفويض الجمعية العامة، فإن الإجراءات الإسرائيلية على الأرض -من مصادرة الأراضي المقامة عليها المقار إلى منع تأشيرات الموظفين الدوليين- تفرض أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه.

إذا ما نجحت الضغوط الإسرائيلية في تجفيف منابع تمويل الوكالة وحظر أنشطتها قانونياً بالكامل، فإن المنطقة قد تواجه تدهوراً دراماتيكياً في الأوضاع الإنسانية، لاسيما في قطاع غزة المنهك، ما قد يدفع بالملف الإغاثي إلى حالة من الفوضى التشغيلية، ويزيد من وتيرة غير الاستقرار الإقليمي نتيجة لغياب صمام الأمان الخدمي الذي شكلته الأونروا على مدار أكثر من سبعة عقود.

اضف تعليقك