تلوث خفي يطارد شواطئ تركيا قبل COP31.. خطر يمتد عبر مياه المتوسط

2026/11/02م

(عاد/ تركيا) متابعات:

في غضون أيام تستقبل مدينة أنطاليا التركية وفودا دولية للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ COP31، حيث تجتمع الحكومات لمناقشة مستقبل كوكب يواجه ضغوطا بيئية متزايدة.

لكن تحت مياه البحر الأبيض المتوسط المحيطة بالمدينة المضيفة، تتكشف قصة بيئية أخرى، قصة تبدأ على بعد مئات الكيلومترات، وتمر عبر مرافق إعادة التدوير والأنهار والتيارات الساحلية، لتطرح تساؤلات تتجاوز حدود تركيا بكثير.

وتكمن المشكلة في تفاصيل تكاد لا تُرى بالعين المجردة، فقد رُصدت تركيزات عالية بشكل غير معتاد من “اللدائن الدقيقة”، وهي جزيئات يقل حجمها عن 5 ملليمترات، على طول أجزاء من الساحل الجنوبي لتركيا.

وقد أثارت تحقيقات حديثة مخاوف بشأن احتمال وجود صلة بين هذا التلوث وأنشطة إعادة تدوير البلاستيك في مدينتي أضنة ومرسين.

ويأتي هذا في توقيت لافت، فبينما تستعد تركيا لاستعراض التزاماتها البيئية على الساحة الدولية، تسلط الأبحاث الجارية في البحر الأبيض المتوسط الضوء مجدداً على تجارة النفايات التي تربط بين الأسر في أوروبا ومرافق إعادة التدوير عبر البحر.

وفي حين تركز جانب كبير من النقاش حول ما إذا كانت أوروبا ترسل نفاياتها إلى تركيا، يظل هناك سؤال آخر مطروح، ماذا يحدث للبلاستيك بعد وصوله؟ وإلى أين ينتهي به المطاف إذا ما تسرب خارج نظام إعادة التدوير؟.

تبدأ مشكلة البلاستيك من أماكن بعيدة عن شواطئ أنطاليا وبحسب موقع “تركيا توداي”، تمتد الرحلة من ساحل أنطاليا نحو الشرق، باتجاه مدينتي أضنة ومرسين، حيث توجد منشآت لإعادة تدوير البلاستيك تعمل بالقرب من الأنهار وشبكات التصريف التي تصب في البحر الأبيض المتوسط.

وفي صيف عام 2026، رصد باحثون ومجموعات بيئية تراكمًا لجزيئات البلاستيك على طول الساحل الجنوبي لتركيا، بما في ذلك مناطق ألانيا وكيمير والمناطق الممتدة نحو فتحية في محافظة موغلا.

وقد كشف تحقيق قاده عالم البيئة البحرية البروفيسور سادات غوندوغدو من جامعة تشوكوروفا، عن وجود تركيزات عالية بشكل لافت للجزيئات البلاستيكية الدقيقة في ألانيا، إذ تراوحت القياسات بين ضعفين إلى 65 ضعفًا من أعلى القيم المسجلة سابقًا في الدراسات العلمية حول ساحل تركيا المطل على البحر الأبيض المتوسط.

كما وجد الباحثون أن نسبة كبيرة من هذه الجزيئات تحمل خصائص فيزيائية ترتبط بعمليات إعادة التدوير الصناعية، مثل تقطيع المواد البلاستيكية وطحنها وتشكيلها بالضغط.

ورغم أن هذه النتائج لم تحدد بشكل قاطع مصدر كل جزيء على حدة، إلا أنها عززت المخاوف من أن أنشطة معالجة النفايات قد تكون مسؤولة، جزئيًا، عن التلوث الذي يصل إلى المياه الساحلية.

وتكتسب هذه العلاقة أهميتها من حقيقة أن التلوث البلاستيكي لا يبقى بالضرورة في المكان الذي دخل منه إلى البيئة، إذ يمكن للأنهار وقنوات التصريف والأمطار الغزيرة والتيارات الساحلية أن تنقل هذه الجزيئات بعيدًا عن المناطق الصناعية، لتنتشر عبر النظم البيئية البحرية وتصل إلى مياه مشتركة مع مناطق مجاورة.

ولا تواجه أي قطعة من البلاستيك تدخل البحر بالقرب من مرسين أي حدود إدارية تفصل بين المحافظات التركية، كما أنها لا تبقى بالضرورة في المياه التي ظهرت فيها لأول مرة.

ويُعد “تيار آسيا الصغرى”، وهو جزء من نظام التيارات السطحية في شرق البحر الأبيض المتوسط، مساراً محتملاً لانتقال المواد نحو الغرب على طول جنوب الأناضول، باتجاه أنطاليا والمياه المحيطة بجزيرة رودس.

وقد أظهرت دراسة نُشرت في دورية “فرونتيرز إن مارين ساينس”، عام 2021 أن المياه السطحية القادمة من حوضي قيليقية والشام يمكن أن تصل إلى شرق بحر إيجة عبر ممر رودس والمضائق الواقعة شرق جزيرة كريت.

وقدمت دراسة منفصلة، نُشرت في دورية “التلوث البيئي” في أكتوبر/تشرين الأول 2026، صورة أشمل لهذه العملية. فمن خلال مراجعة 108 دراسات علمية ونمذجة حركة ما يقرب من 580 ألف جزيء، وجد الباحثون أن تيارات البحر الأبيض المتوسط يمكنها إعادة توزيع الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الطافية عبر المناطق البحرية، بينما تعمل في الوقت ذاته على احتجاز كميات كبيرة منها في أجزاء من الحوض الشرقي للبحر.

وخلصت الدراسة إلى أن نحو 58.5% من الجسيمات التي شملتها المحاكاة وصلت إلى الخطوط الساحلية، مما يوضح كيف يمكن للتلوث البلاستيكي الانتقال بين المياه المفتوحة والبيئات الساحلية.

ومع ذلك، لا تُثبت هذه الدراسات أن جسيمات بعينها، مصدرها منشآت إعادة التدوير في أضنة، قد انتقلت بالفعل لتصل إلى موغلا أو بحر إيجة، فهي تحدد مسارات محتملة للانتقال، ولا توثق رحلة فعلية ومؤكدة لملوثٍ بعينه.

ورغم أهمية هذا التمييز، تظل الدلالة الأوسع أكثر أهمية، إذ إن التلوث البحري لا يقتصر بالضرورة على مكان نشوئه، كما أن التدابير المتخذة في مقاطعة ساحلية ما قد تكون لها تبعات على مياه تقع في مناطق أبعد بكثير.

اضف تعليقك