التصنيع المشترك.. مصر تمهد لتكامل أفريقي تنافسي

2026/10/06م

(عاد/ القاهرة) متابعات:

تراهن مصر على التصنيع المشترك داخل أفريقيا عبر استثمارات ومصانع وسلاسل قيمة جديدة تتجاوز نموذج تصدير السلع التقليدي.

وقد فتحت تحركات الحكومة المصرية الأخيرة الباب حول معادلة مختلفة تتجاوز بيع السلع المصرية عبر الحدود وفي أسواق القارة الأفريقية، فبدلاً ما كان في السابق السؤال الرئيسي: كيف يمكن زيادة الصادرات المصرية إلى أسواق القارة؟، أصبحنا أمام معادلة جديدة هي المشاركة في الإنتاج بدلاً من دخول الأسواق الأفريقية عبر عبر مشروعات للتصنيع المشترك وتوطين الصناعة وبناء سلاسل إنتاج تربط الشركات المصرية بالمواد الخام والعمالة والأسواق المحلية.

ومع اتجاه الحكومة المصرية إلى تأسيس صندوق استثماري متخصص في أفريقيا عبر صندوق مصر السيادي، يبدو أن القاهرة تريد الانتقال تدريجيًا من نموذج “صدّر من مصر” إلى نموذج أوسع يقوم على “استثمر وصنّع مع أفريقيا”.

ولا يعني هذا نقل المصانع المصرية إلى الخارج أو إحلال الاستثمار محل الصادرات، وإنما تأسيس قواعد إنتاج مشتركة في الأسواق ذات الأولوية، تسمح للشركات المصرية بتجميع أو تصنيع جزء من منتجاتها محليًا، والاستفادة من المواد الخام والعمالة وشبكات التوزيع الأفريقية، ثم التحرك منها إلى الأسواق المجاورة، فهل تصبح “الصناعة المشتركة” المرحلة التالية للعلاقات الاقتصادية بين مصر وأفريقيا؟

من التجارة إلى الشراكة الإنتاجية
التحول المقترح يغير شكل العلاقة الاقتصادية التقليدية، فبدل أن تنتج الشركة المصرية السلعة بالكامل في القاهرة أو المدن الصناعية المصرية، ثم تتحمل تكلفة شحنها وتمويلها وتأمينها حتى وصولها إلى السوق الأفريقية، يمكن أن تحتفظ مصر بالمراحل الصناعية التي تتمتع فيها بميزة تنافسية، بينما تنتقل عمليات أخرى، مثل التجميع أو التصنيع النهائي، إلى الدولة المستهدفة، وبذلك تتحول العلاقة من مجرد “بائع ومشترٍ” إلى شراكة إنتاجية يستفيد منها الطرفان.

مصر توفر التكنولوجيا والخبرة ورأس المال ومدخلات الإنتاج، بينما توفر الدولة الأفريقية السوق والعمالة وبعض المواد الخام والحوافز الاستثمارية، لتخرج السلعة في النهاية من مصنع يعمل داخل السوق المستهدفة بدل وصولها إليها عبر آلاف الكيلومترات.

وهذا النموذج، المعروف بتوطين الصناعة وسلاسل القيمة الإقليمية، أصبح أحد المسارات المطروحة لتعميق التكامل الاقتصادي الأفريقي، خصوصًا مع توسع تطبيق منطقة التجارة الحرة القارية.

صندوق جديد لتقاسم المخاطر
وفي قلب هذا التحول، تعمل الحكومة المصرية على تأسيس صندوق استثماري متخصص في أفريقيا عبر صندوق مصر السيادي، ليكون أول توسع استثماري خارجي للصندوق.

وقال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد إن الصندوق يدرس فرصًا في عدد من الأسواق الأفريقية، بينها كينيا ونيجيريا وكوت ديفوار، في قطاعات تشمل الخدمات المالية والسياحة والصحة والتعليم.

لكن القيمة الأكبر للصندوق قد لا تكون في حجم الأموال التي سيضخها وحده، وإنما في قدرته على دخول المشروعات كشريك وتقاسم مخاطر الاستثمار مع الشركات المصرية.

فالشركة التي تفكر في إنشاء خط تجميع أو مصنع أو مركز إنتاج داخل دولة أفريقية تواجه مخاطر تختلف عن التصدير التقليدي، بدءًا من تقلب العملة والقواعد التنظيمية، وحتى تحويل الأرباح والبنية التحتية وتكلفة التمويل.

ومن هنا يمكن أن يصبح الصندوق أداة لتقليل تكلفة الدخول إلى السوق وتشجيع شركات لم تكن قادرة بمفردها على تحمل مخاطر التوسع الخارجي.

لماذا لم تعد الصادرات وحدها كافية؟
تكشف أرقام التجارة والاستثمار عن سبب يدفع نحو البحث عن نموذج اقتصادي أكثر عمقًا، وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت صادرات مصر إلى دول تجمع مبادرة الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا (النيباد) نحو 891 مليون دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، مقابل 901 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بانخفاض طفيف يبلغ نحو 1.1%.

في المقابل، ارتفعت الاستثمارات المصرية في دول التجمع إلى نحو 251 مليون دولار خلال العام المالي 2024-2025، مقابل 143.3 مليون دولار في العام السابق، بنمو يقترب من 75%.

وقفزت استثمارات دول النيباد في مصر بدورها إلى نحو 190.7 مليون دولار، مقابل 39 مليون دولار قبل عام.

ولا تعني هذه الأرقام أن الاستثمار سيحل محل التجارة، لكنها تكشف أن حركة رأس المال والمشروعات قد تتحول إلى قناة أسرع لبناء حضور مصري مستدام في بعض الأسواق مقارنة بالاعتماد على زيادة الصادرات وحدها.

التصنيع المشترك.. ماذا يعني عمليًا؟
التصنيع المشترك لا يعني بالضرورة بناء مصنع مصري كامل من الصفر داخل كل دولة، فقد يبدأ بخط للتجميع النهائي، أو مصنع مشترك مع مستثمر محلي، أو تصنيع جزء من مكونات السلعة داخل السوق الأفريقية، أو حتى إقامة منطقة صناعية تستضيف شركات مصرية وأفريقية في سلسلة إنتاج واحدة.

على سبيل المثال، يمكن لشركة مصرية إنتاج المكونات الأكثر تعقيدًا داخل مصر، ثم شحنها إلى مصنع مشترك في دولة أفريقية يتولى التجميع والتعبئة والتوزيع.

وفي صناعات أخرى، يمكن أن يحدث العكس، عبر استغلال المواد الخام الأفريقية وتصنيعها محليًا جزئيًا قبل دخولها في مراحل إنتاج أكثر تقدمًا داخل مصر.

وهنا لا تصبح العلاقة “مصر تنتج وأفريقيا تستهلك”، وإنما شبكة صناعية يتحرك داخلها رأس المال والخامات والمكونات والمنتجات في الاتجاهين.

أفريقيا تريد الصناعة لا المواد الخام فقط
أحد العوامل التي تدفع نحو هذا النموذج هو تغير سياسات عدد من الدول الأفريقية نفسها، فالعديد من الحكومات باتت أكثر اهتمامًا بجذب المصانع وليس فقط بيع المواد الخام أو استيراد المنتجات النهائية، في محاولة لزيادة القيمة المضافة وتوفير الوظائف ونقل التكنولوجيا.

وهذا يعني أن الشركة المصرية التي تدخل السوق بمشروع إنتاجي مشترك قد تحصل على فرص أكبر من الشركة التي تكتفي بإرسال المنتج النهائي.

ويقول المستشار الاقتصادي لاتحاد الغرف التجارية، سيد أبوالقمصان، إن الشركات المصرية تحتاج إلى تصنيع جزء من منتجاتها داخل أفريقيا، خصوصًا في ظل توجه دول القارة نحو تقليل تصدير المواد الخام والعمل على زيادة التصنيع والقيمة المضافة محلياً.

ويرى أبوالقمصان في تصريح لـ “العين الإخبارية” أن إقامة مراحل إنتاج داخل الأسواق الأفريقية يمكن أن تكون مدخلًا أكثر فاعلية للتوسع، مع وجود فرص في الصناعة والتعدين والتجارة والخدمات.

شبكة مصالح لا مجرد صادرات
وترى المستشار الاقتصادي لاتحاد الغرف التجارية، الدكتورة منى وهبة، أن تعظيم استفادة مصر من أسواق القارة يحتاج إلى تجاوز مفهوم تصدير السلعة فقط، وبناء شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية.

وتشمل هذه الشبكة مصانع مشتركة ومشروعات للطاقة ومراكز لوجستية واستثمارات في الخدمات، إلى جانب تدريب العمالة المحلية وربط رأس المال المصري بالاقتصادات الأفريقية.

وتؤكد وهبه لـ “العين الإخبارية” أن تطوير النقل واللوجستيات وتمويل الصادرات وتوفير الضمانات الاستثمارية يظل ضروريًا، لكن وجود الشركة داخل السوق نفسها يقلل جزءًا من المخاطر المرتبطة بالشحن والتوزيع والوصول إلى المستهلك.

الإنتاج داخل القارة بوابة للأسواق المجاورة
ويؤكد رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، المهندس شريف الصياد، لـ “العين الإخبارية” أن استراتيجية التوسع المصري لا ينبغي أن تتوقف عند تصدير المنتج النهائي.

ويرى أن إقامة مشروعات إنتاجية داخل القارة تتيح للشركات الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، بحيث يتحول المصنع المقام في إحدى الدول إلى قاعدة لخدمة عدد من الأسواق المجاورة.

وهنا تختلف الجدوى الاقتصادية جذريًا،فالمصنع الموجود في كينيا، على سبيل المثال، لا يخدم المستهلك الكيني وحده، وإنما يمكن أن يتحول إلى منصة للوصول إلى أسواق شرق أفريقيا، تمامًا كما يمكن لمشروع في كوت ديفوار أن يصبح قاعدة للتحرك في أسواق غرب أفريقيا الفرنكوفونية.

“اصنع معنا” بدل “اشترِ منا”
التحول إلى التصنيع المشترك يحمل أيضًا بعدًا سياسيًا واقتصاديًا في علاقة مصر بالدول الأفريقية، فالدولة التي تستورد منتجًا مصريًا تستفيد من السلعة، لكن الدولة التي تستضيف مصنعًا مشتركًا تحصل كذلك على استثمار ووظائف وتدريب ونقل خبرات وإيرادات ضريبية.

ومن هنا يصبح العرض المصري للأسواق الأفريقية أكثر جاذبية إذا انتقل من رسالة “اشترِ المنتج المصري” إلى “لننتج المنتج معًا”.

وهو تحول قد يساعد الشركات المصرية نفسها على بناء علاقات أطول عمرًا مع الأسواق المستهدفة، لأن ارتباطها لن يصبح قائمًا فقط على عمليات بيع تتغير مع سعر الشحن أو العملة، بل على أصول ومصانع وعمالة وشركاء محليين.

تجارب سبقت الصندوق
مصر لا تبدأ هذا المسار من الصفر، تقدر وزارة الاستثمار حجم الاستثمارات المصرية في أفريقيا بنحو 12 مليار دولار، موزعة على قطاعات الطاقة والكهرباء والإنشاءات والاتصالات والخدمات المالية والزراعة والصناعة.

وتعمل “المقاولون العرب” منذ سنوات في عدد من الأسواق الأفريقية، بينما نفذ تحالف الشركة مع “السويدي إليكتريك” مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا بتكلفة تقارب 2.9 مليار دولار.

وتطور “السويدي إليكتريك” كذلك منطقة صناعية في تنزانيا تستهدف استضافة نحو 200 مصنع.

وهذه التجربة تقدم نموذجًا يتجاوز فكرة تصدير منتج مصري نهائي إلى أفريقيا، إلى المساهمة في تأسيس بنية صناعية تستضيف عمليات إنتاج من داخل القارة نفسها.

لماذا كينيا ونيجيريا وكوت ديفوار؟
اختيار الأسواق التي يدرس الصندوق المصري الدخول إليها يعكس منطق “القواعد الإقليمية”، فنيجيريا تمثل أحد أكبر الأسواق السكانية والاقتصادية في غرب أفريقيا، بينما تعد كينيا مركزًا تجاريًا ولوجستيًا مهمًا لشرق القارة، وتلعب كوت ديفوار دورًا محوريًا في اقتصادات غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وبالتالي فإن إقامة قاعدة صناعية أو استثمارية في هذه الدول لا تعني استهداف السوق المحلية فقط.

الهدف الأوسع هو استخدامها كنقاط انطلاق إلى تكتلات وأسواق مجاورة، خصوصًا مع توسع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية التي تستهدف إنشاء سوق موحدة تضم أكثر من 1.4 مليار شخص.

سلاسل قيمة مصرية أفريقية
الأكثر أهمية أن التصنيع المشترك يمكن أن يفتح الباب أمام سلاسل قيمة جديدة بين مصر وأفريقيا، فبدل استيراد مصر المادة الخام الأفريقية ثم تصنيعها بالكامل وإعادة تصدير المنتج النهائي، يمكن توزيع مراحل الإنتاج بين أكثر من دولة بحسب الميزة التي تمتلكها كل سوق.

قد تنتج المواد الخام أو بعض المكونات في دولة أفريقية، وتجري مراحل صناعية متقدمة في مصر، ثم يتم التجميع أو التوزيع من مركز إقليمي آخر داخل القارة.

وهكذا لا تكون مصر فقط “مصدرًا لأفريقيا”، بل جزءًا من شبكة صناعية أفريقية متكاملة.

اضف تعليقك