رغم الأحداث الخطيرة التي تمر بها حضرموت وكل بلادنا خلال المرحلة الحالية، والمتمثلة في تصعيد العدوان الحوثي في مختلف الجبهات في الساحل الغربي وتعز ومأرب والجوف، وما تتعرض له مناطق شمال حضرموت، ولا سيما العبر والوديعة، من ضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وسقوط أكثر من مائة شهيد حضرمي في هذه الجبهات، فإن هذه الأحداث كشفت في الوقت ذاته عن حقيقة أخرى أكثر أهمية، وهي تمسك الحضارم بهويتهم، وسيادتهم على أرضهم وثرواتهم، وحقهم في أن يكونوا نداً لصنعاء وعدن، ورفضهم للتبعية التي فُرضت على حضرموت منذ عام 1967م وحتى اليوم.
ومع حلول ذكرى النكبة الحضرمية وسقوط الاستقلال الحضرمي في 17 سبتمبر 1967م بالمكلا، وفي 2 أكتوبر 1967م بسيئون، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بمئات المقالات والمنشورات التي تستحضر تلك المرحلة، وتندد بإسقاط السلطنتين القعيطية والكثيرية وإنهاء القرار السياسي المستقل لحضرموت، وضمها قسراً إلى مشاريع سياسية متعاقبة؛ جنوباً عام 1967م، ثم شمالاً في وحدة عام 1990م، وصولاً إلى واقع اليوم.
وهو أمر لم نعهده بهذه القوة والوضوح من قبل؛ فقد ظل الصوت الحضرمي المستقل خافتاً لعقود، حتى حملت العصبة الحضرمية الراية منذ تأسيسها عام 2011م، وانبرى كتابها ومفكروها للدفاع عن حضرموت واستقلال قرارها السياسي وسيادتها على أرضها وثرواتها، ولتعميق وعي الحضارم بقضيتهم وهويتهم ومصالحهم.
ثم تعزز هذا النهج بقيام حلف قبائل حضرموت والهبة الحضرمية عام 2013م، فانتقلت القضية الحضرمية من مجرد الأفكار والنقاشات إلى ممارسة الفعل على الأرض، وتعززت أكثر بعد تحرير المكلا وساحل حضرموت من تنظيم القاعدة الإرهابي عام 2016م، واستمرت في التصاعد بوتيرة متسارعة حتى يومنا هذا.
كما شهدت السنوات الأخيرة منذ ٢٠١٥م ، تشكيل نواة للقوات العسكرية والأمنية الحضرمية، من خلال النخبة الحضرمية وقوات حماية حضرموت ودرع الوطن، وإن كانت هذه التجربة، في نظر كثير من الحضارم، لم تصل بعد إلى مستوى الطموح المنشود في بناء منظومة أمن ودفاع حضرمية مكتملة تبسط سيطرتها على كل حضرموت.
ومع ذلك، فإن الأهم من كل ذلك هو ما نشهده اليوم من نهوض حضرمي واسع لدى ملايين الحضارم في الداخل والمهجر، وتمسك متزايد بهويتهم الحضرمية وبسيادتهم على أرضهم وثرواتهم، وبحقهم في أن يكونوا نداً لصنعاء وعدن، لا تابعين لهما، مع تأكيد رغبتهم في شراكة عادلة تحفظ المصالح المتبادلة، وحقهم في تقرير مصيرهم إذا تعذر الوصول إلى مثل هذه الشراكة.
وقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن كل أزمة تعصف بحضرموت لا تؤدي إلى إضعاف الوعي الحضـرمي، بل تدفعه إلى مزيد من التماسك والتعزيز . فقد رأينا ذلك مع أحداث ديسمبر 2025م، ومع ما رافقها من تطورات عسكرية وسياسية، كما رأيناه في مواجهة استفزازات القوات الشمالية المرابطة في شمال حضرموت، وفي ظل ما يراه كثير من أبناء حضرموت من قصور وفساد في أداء السلطات المركزية والمحلية، ونراه اليوم مجدداً مع الاعتداءات الحوثية المتكررة على حضرموت وبقية بلادنا.
ومن هنا، فإن التمسك بالهوية الحضرمية والسيادة على الأرض والثروة، والمطالبة بحق تقرير المصير، ليست في جوهرها دعوة إلى الفوضى أو الاحتراب، وإنما هي بحث مشروع ومنطقي ، عن مخرج من عقود طويلة من الأزمات والصراعات وحالة اللادولة والفوضى والفساد ، التي أنهكت مختلف مناطق اليمن، والجنوب وحضرموت وأثقلت كاهل شعوبها جميعا.
وهي مطالب يرى أصحابها أنها تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، وإلى قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار مستقبلها السياسي بما يحقق مصالحها ويحفظ كرامتها وأمنها.
إن ما نشهده اليوم من تصاعد الوعي بالقضية الحضرمية لم يعد مجرد موجة عابرة في مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو تعبير عن تحول عميق في الوعي العام، وعن جيل جديد من الحضارم أصبح أكثر إدراكاً لتاريخ حضرموت ومكانتها وحقوقها ومصالحها.
ومن المؤكد أن استمرار هذا الوعي والنهوض الحضرمي سيترك أثره في مستقبل حضرموت السياسي، ويفرض إعادة النظر في المعادلات التي حكمت علاقتها بالآخرين منذ عام 1967م وحتى اليوم، وصولاً إلى صيغة سياسية تحفظ للحضارم هويتهم وكرامتهم وسيادتهم على أرضهم وثرواتهم وقرارهم وحق تقرير مصيرهم.
فحضرموت اليوم ليست حضرموت الأمس، والحضرمي الذي استعاد وعيه بتاريخه وهويته وحقوقه لن يقبل بعد اليوم أن يكون تابعاً أو مهمشاً في وطنه.
وإن غداً لناظره قريب.


















