التمكين المؤسسي والمالي للسلطات المحلية: مخرج انتقالي لتعافي الخدمات وتماسك الدولة

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية

تتجاوز معضلة السلطة الشرعية في اليمن حدود العجز المالي العابر لتلامس جوهر بنيتها الوظيفية؛ إذ تخوض معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب في وقت تشهد فيه المناطق المحررة اختناقاً معيشياً متسارعاً. ولم يكن هذا التدهور وليد الصدفة، بل نتاج مباشر لانحسار الموارد العامة إثر توقف تصدير النفط الخام، وتآكل قدرة الخزينة المركزية على تلبية أبسط التزاماتها الخدمية تجاه المحافظات. بيد أن الإشكال الحقيقي لا يقف عند شح التدفقات النقدية، بل يعود أساساً إلى اختلال هيكلي في إدارة ما هو متاح، وتصلب قنوات توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين المركز والمحيط السلطات المحلية.

ولعل أوضح تجليات هذا التكلس يبرز في المنظومة الإيرادية القائمة؛ إذ لا تزال السلطات المحلية محكومة بقيم اسمية للرسوم والغرامات وُضعت قبل زهاء عقدين من الزمن، وباتت تفصلها عن الواقع النقدي والتضخمي هوة شاسعة. أفضى هذا التباين إلى مفارقة اقتصادية لافتة: غدت كلفة تحصيل الإيراد وطباعة أوراقه وإدارته تلتهم القيمة الفعلية للمبلغ المحصل نفسه. هذا العجز التشغيلي لم يفرغ الموازنات المحلية فحسب، بل مهد لظهور جبايات موازية وغير مقننة، أسهمت في نسف موثوقية المؤسسة العامة، وعمّقت شقاقاً خطراً بين المجتمع والسلطة.

أن الحقيقة الماثلة للعيان تقطع بفشل نموذج الاعتماد الأحادي على التمويل المركزي. فالمركز عاجز عن الإيفاء، والمحليات مكبلة بقيود إدارية تحرمها حق المبادرة. وقد أفرز هذا العجز واقعاً بالغ الحرج، تجلى في لجوء بعض المحافظات إلى اقتطاع حصص من عوائدها وإبقائها خارج المسار المصرفي الموحد لإسعاف قطاعات مهددة بالانهيار كالمياه والكهرباء. ورغم أن هذا السلوك تفرضه ضغوط البقاء الخدمي، إلا أنه ينطوي على مخاطر بنيوية فادحة؛ فهو يصدع وحدة المالية العامة، ويعطل أدوات الرقابة المحاسبية، ويكرس تفاوتاً تنموياً حاداً بين محافظات تمتلك أوعية إيرادية وأخرى تفتقر إلى أدنى مقومات الدخل الذاتي.

إن استدامة هذا النزيف تفرض كلفة لا تقتصر على الاقتصاد وحده، بل ترتد مباشرة إلى الأمن والاستقرار السياسي. فكل انقطاع في شريان خدمي أساسي يتحول إلى وقود لاحتجاجات شعبية تنهك المؤسسة الأمنية. وبالتوازي، يؤدي تشتت الكتلة النقدية المحلية خارج القنوات الرسمية إلى مضاربات عشوائية تفاقم انهيار العملة وترفع فواتير السلع والوقود. الأخطر من ذلك كله أن تآكل الثقة والإدارة المشتركة بين الوزارات والمحافظات يهدد بتحويل الخلاف المالي والوظيفي إلى انقسام إداري يصعب تداركه، مهدداً ما تبقى من تماسك مؤسسي للدولة.

أمام هذا المشهد، يغدو الرهان على استئناف تصدير النفط ضرباً من الهروب إلى الأمام، كما أن التعويل على تعديل تشريعي برلماني شامل هو خيار يعطله بطء الآليات الدستورية في ظرف زمني لا يحتمل المماطلة. البديل الواقعي يتمثل في هندسة مسار انتقالي قوامه «التفويض الاستثنائي المشروط بالأداء»؛ وهو ترتيب لا ينزع نحو تمزيق النظام المالي، بل يمنح المحافظات هامش مناورة تشغيلياً مؤقتاً تحت مظلة الدولة السيادية، شريطة الالتزام الصارم بالتوريد المصرفي، والشفافية المحاسبية، وتحقيق معايير الأداء الخدمي.

يقوم هذا المخرج العملي على أربعة مرتكزات متكاملة:

– إطار تنفيذي استثنائي مؤطر زمنياً: إصدار لائحة حكومية محددة الصلاحيات، تضبط قواعد العلاقة بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية بما فيها التعيين والمشتريات، وتضع آليات واضحة للطعن والاعتراض لتلافي النزاعات بين الوزارات والمحافظات. (مخرجات مؤتمر الشركة والتكامل بين المركز والسلطات المحلية)

– فرز الإيرادات وإعادة تبويبها: التمييز الصارم بين الموارد السيادية التي تُورد بالكامل إلى الحساب العام للبنك المركزي، والموارد المشتركة التي يُسمح للسلطات المحلية بالاحتفاظ بنسب محددة منها ضمن حسابات رسمية ومقيدة، تُخصص حصراً لمتطلبات التشغيل الحرج كصيانة الشبكات وتوفير وقود الضخ والأدوية المنقذة للحيا, وتوريد حصص المحافظات مباشرة من البنك المركزي.

– تحديث الأوعية والمؤشرات: تحرير الرسوم والتعريفات المحلية من قيمها الاسمية المتآكلة، وربطها بمعادلات اقتصادية ونقدية دورية تعكس التكلفة الواقعية للخدمة دون إرهاق كاهل الفئات الهشة.

– مأسسة الشراكة مع القطاع الخاص: منح السلطات المحلية صلاحيات استغلال واستثمار الموارد المحلية وفتح الباب أمام استثمارات رأس المال المحلي في قطاعات المياه، والطاقة، وإدارة الأسواق، على أن تخضع هذه العقود لدفاتر شروط قياسية، ودراسات جدوى محكمة، وإفصاح مالي يحول دون تكريس الامتيازات الاحتكارية.

يتطلب هذا التحول خطة تنفيذ متدرجة ، تبدأ في ربعها الأول بإقرار اللائحة التنفيذية، وتشكيل لجنة وطنية مشتركة لتنظيم العلاقة وللرقابة، وتحديد «خط أساس» مالي وخدمي يقيس واقع كل محافظة قبل التفويض. يعقب ذلك، في الأشهر الثلاثة اللاحقة، فتح الحسابات الرسمية المقيدة، ورقمنة منافذ التحصيل لسد منافذ التسرب، وتفعيل التقارير الشهرية المشتركة. ومع انتصاف العام الأول، تنطلق المشاريع الميدانية المشتركة مع القطاع الخاص، لتُكرس السنة الثانية لتقييم التجربة وتوسيع نطاقها بناءً على النتائج المحققة.

إن جوهر هذا التحول لا يُقاس بحجم الصلاحيات الممنوحة للأجهزة المحلية، بل بمدى انعكاسها على تحسين جودة الحياة للمواطن وتقليص الهدر المالي. يقتضي ذلك ربط استمرار التفويض بمؤشرات صارمة: نسبة تغطية الإيراد المحلي للنفقات التشغيلية، ومعدل التحصيل الإلكتروني، وسرعة تحويل المورد إلى خدمة ملموسة، ونسبة الانضباط في رفع التقارير المحاسبية. وفي مقابل تمكين المحافظات الملتزمة، يجب أن تتضمن الآلية شروطاً حازمة لتعليق التفويض عند الإخلال، بالتوازي مع إنشاء «صندوق توازن مؤقت» يُعنى بإسناد المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية والموارد الشحيحة، صوناً لمبدأ العدالة الاجتماعية وتماسك الجغرافيا المحررة.

إن إنقاذ البنية الخدمية لا يتأتى عبر مسكنات مالية معزولة تعيد إنتاج الفشل، بل عبر إعادة صياغة العلاقة بين السلطة المركزية والمحلية وتوزيع الثروة على أسس تعاقدية جديدة: صلاحية تقابلها مسؤولية، ومورد تشغيلي يحرسه تدقيق رقابي صارم. إن التمكين اللامركزي المنضبط ليس تراجعاً لسلطة الدولة، بل هو طريقتها الوحيدة للبقاء عندما تصبح تكلفة التصلب الإداري أعلى من كلفة الإصلاح ذاته.

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية