هندسة التحرير وإدارة الاستقرار: لماذا يحتاج الحسم العسكري في اليمن إلى عهد سياسي جديد؟

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية

في غمرة الانتصارات التكتيكية النوعية لعملية “فجر اليمن”، والتي أعادت رسم الخريطة الجيوسياسية على امتداد الساحل الغربي عبر استرداد المفاصل الحاكمة في باب المندب، وذو باب، والمخا، بالتوازي مع كسر خطوط الدفاع في جبهات مأرب والجوف والضغط العملياتي على تعز، تقف قيادة الدولة أمام مفترق طرق حاسم.

يكمن الخطر الوجودي الراهن في الاستسلام لإغواء لغة “الانتصار المطلق” والارتداد إلى خطاب تعبوي استئصالي أحادي يلغي الحسابات السياسية؛ فهذا الانغلاق يهدد بإهدار المكاسب الميدانية وتحويل مدن التحرير إلى بؤر استنزاف عصية على الحوكمة، ما لم يُسند الحسم العسكري فوراً بمشروع سياسي استباقي يطمئن المجتمع ويؤسس لمرحلة التعافي وإعادة البناء.

ينطلق تشخيص المعضلة الحالية من فك الاشتباك المعقد بين العقيدة العسكرية لمليشيا الحوثي والواقع الاجتماعي والوظيفي في المحافظات الشمالية؛ فاستمرار الخطاب الحربي الخالص دون تطمينات مؤسسية ملزمة يمنح المليشيا ورقة الابتزاز الأخيرة، عبر تصوير الزحف الحكومي كحملة اجتياح وانتقام تستهدف تفكيك البنية القبلية والنسيج السكاني للهضبة الشمالية. هذا التخويف الممنهج يحوّل المجتمعات المحلية المحايدة والمترددة إلى خطوط دفاع مستميتة بدافع البقاء البيولوجي والمكاني.

بالتوازي مع ذلك، يقبع ما يزيد عن نصف مليون موظف في الجهاز الإداري والمدني للدولة تحت وطأة القلق الوجودي على حقوقهم المكتسبة وأمانهم الوظيفي في حال استعادة السيطرة، وهو ما يشكل عائقاً نفسياً يمنع تفكك المنظومة الإدارية للجماعة المسلحة من الداخل.

على الجبهة المقابلة، تتضاعف كلفة الغموض السياسي داخل المعسكر المناوئ للمشروع الحوثي نفسه؛ فالمحافظات الجنوبية والشرقية، التي شكلت وما تزال حجر الزاوية والقوة الضاربة في إنجاز هذه التحولات الميدانية، تنظر بعين الريبة المشروعة إلى أي لغة حرب تستدعي الذاكرة المركزية القديمة لدولة ما قبل 2014.

إن ترحيل الاستحقاقات السياسية للمحافظات الجنوبية وتطلعات محافظات حضرموت والمهرة وشبوة في إدارة شؤونها ومواردها تحت ذريعة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة حتى تحرير صنعاء”، يمثل مهدداً صريحاً لتماسك التحالف الحاكم. إن كلفة غياب المبادرة السياسية الشجاعة تتجاوز الاحتكاك الإعلامي المباشر إلى استنزاف مادي هائل: استطالة زمن المعارك الجبلية، وتعطل سلاسل الإمداد اللوجستي عبر البحر الأحمر، وتعميق الانهيار الاقتصادي الناجم عن استمرار ازدواج العملة الوطنية وتشتت الموارد السيادية في مناطق النزاع.

تفرض هذه المعطيات المعقدة تجاوز الخيارات الصفرية التي أثبتت إخفاقها؛ فالخيار القائم على السحق العسكري وتأجيل الترتيبات السياسية لما بعد استعادة المقار السيادية في صنعاء يقود حتماً إلى فخ الانفجار المناطقي البيني قبل اكتمال السيطرة، في حين أن التمسك بسياسة التفاهمات الغامضة وبيع الوعود المؤجلة يرحّل الصراع وينزع الثقة بين شركاء الميدان.

تبرز هنا ضرورة الانتقال إلى استراتيجية بديلة وشجاعة، قوامها “العهد الدستوري الانتقالي والاحتواء المؤسسي”، والتي تقوم على تحييد الحواضن الشعبية والقطاع المدني الشمالي عبر خطة أمان شاملة، بالتوازي مع تدشين عقد سياسي متين يعترف بالحقوق والخصوصيات التشاركية لقوى الجنوب والشرق كشرط لازم ومقدمة حتمية للانتصار العسكري المستدام.

تستلزم هذه الاستراتيجية ترجمة سياسية وقانونية مباشرة تطلقها القيادة الشرعية بالتوازي مع تقدم الدبابات والمدرعات.

يبدأ هذا المسار بإعلان مرسوم رئاسي نافذ للعدالة الانتقالية والعهد الوطني، يتضمن عفواً عاماً مشروطاً يحمي المغرر بهم، مع التزام قانوني ملزم بدمج واستيعاب موظفي الخدمة المدنية في السجلات المالية الحكومية، والبدء الفوري في صرف استحقاقاتهم عبر القطاع المصرفي المنتظم فور انتقال مقار عملهم للشرعية.

يواكب ذلك نص تشريعي صريح يجرم أي ممارسات انتقامية، أو أعمال فرز مذهبي، أو استيلاء على الملكيات الخاصة، مع إخضاع المخالفين لمحاكمات عسكرية عاجلة ورادعة لحفظ السلم الأهلي وقطع الطريق على الدعاية الحوثية المضادة.

في الوقت ذاته، يتحول الخطاب السياسي الموجه للجنوب والشرق من مرحلة التهدئة الدبلوماسية إلى مرحلة القرارات الهيكلية الراسخة؛ وذلك عبر تبني مبدأ اللامركزية الكاملة كحقيقة دستورية لا تقبل المساومة، وتثبيت التزام الدولة بتمكين أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية من السيادة الإدارية والأمنية على مناطقهم، وتخصيص نسب عادلة وثابتة من عائدات النفط والغاز ورسوم الموانئ والمنافذ لصالح التنمية والخدمات المحلية. هذا الوضوح التعاقدي يمنح القوى الجنوبية الفاعلة، دافعاً وجودياً لدعم معركة تحرير الهضبة الشمالية وتأمين الممرات الاستراتيجية، إدراكاً منها بأن تفكيك المشروع المليشياوي في صنعاء هو الضمانة القانونية والعملية لصيانة حقوقها ومنع ظهور أي نزعة تسلطية جديدة.

يتعين على هذا المسار أن يقترن فوراً بنزول “مجلس الإسناد المدني وإدارة الاستقرار” للعمل في المناطق المحررة حديثاً على شريط الساحل والمحافظات المحاذية، لتحويل النصر العسكري إلى عوائد تنموية سريعة وملموسة.

يبدأ ذلك بإعادة تشغيل ميناء المخا بكامل طاقته التشغيلية، وربطه بالخطوط الملاحية التجارية لتخفيف تكاليف النقل وشحن المواد الأساسية، والشروع الفوري في توحيد السياسة النقدية بإلغاء التفاوت السعري للعملة عبر إشراف البنك المركزي في عدن على الشبكات المصرفية والكتلة النقدية المتداولة.

كما يكتمل هذا البناء بالدعوة المبكرة لمؤتمر وطني جامع، يعقد فور تأمين المؤسسات السيادية، برعاية إقليمية ودولية ملزمة، يضع خارطة طريق استكمال المرحلة الانتقالية والاستفتاء على الشكل النهائي للدولة، في إطار توازن جغرافي وسياسي يكفل لجميع الأطراف نصيبها المستحق من السلطة والثروة.

إن الفارق الجوهري بين الدولة ككيان حامٍ للمصالح العامة وبين الجماعات المسلحة يكمن في قدرة الأولى على تقديم نموذج جاذب للحياة والعدالة وسيادة القانون. لن يُقاس نجاح عملية “فجر اليمن” بعدد الكيلومترات المربعة المستعادة أو بالبيانات العسكرية الرنانة، بل بقدرتها على تقليص تكلفة الدم وإنهاء الحرب عبر كسر الإرادة القتالية لمليشيا الحوثي بسلاح الطمأنة المجتمعية والبديل المؤسسي.

إن اليمن القادم بعد استعادة صنعاء لن يكتب له البقاء كدولة مركزية قابضة وقامعة، بل ككيان اتحادي تشاركي تنعم فيه المحافظات بالعدالة والتنمية والاستقرار، وهو الهدف الاستراتيجي الوحيد الذي يستحق أن تبذل الدماء من أجله في ميادين التحرير.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال:

بدر محمد باسلمة

مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية