فرنسا تفتح مساراً دولياً لتعزيز الجيش اللبناني

2026/08/20م

(عاد/ بيروت) متابعات:

تفتح فرنسا مساراً دولياً جديداً لدعم الجيش اللبناني، في خطوة تتجاوز تقديم المساعدات العسكرية التقليدية لتلامس جوهر الأزمة الأمنية والسياسية التي يواجهها لبنان، ولا سيما في الجنوب، حيث تتقاطع تحديات انتشار الجيش مع استمرار الوجود الإسرائيلي وتداعيات المواجهة مع حزب الله.

ويأتي التحرك الفرنسي في وقت بات فيه تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية شرطاً أساسياً لتثبيت سلطة الدولة وتهيئة الظروف لتنفيذ التفاهمات الأمنية المرتبطة بالجنوب.

وفي هذا السياق، تسلّم الرئيس اللبناني جوزيف عون رسالة خطية من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الأربعاء، تضمنت دعوة بيروت إلى المشاركة في اجتماع تحضيري تستضيفه باريس في 17 سبتمبر المقبل، تمهيداً لعقد مؤتمر دولي مخصص لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

ويمثل الاجتماع محاولة لحشد مجموعة من الدول والمنظمات الدولية والخبراء حول رؤية مشتركة لتوفير احتياجات المؤسستين الأمنيتين، بما يتيح للجيش الاضطلاع بالمهام الملقاة على عاتقه في مرحلة شديدة الحساسية.

وتشير الدعوة الفرنسية إلى أن الهدف لا يقتصر على توفير المعدات، وإنما يشمل بناء قدرات الجيش وتطوير منظومته اللوجستية والتدريبية، وفق الأولويات التي حددتها القيادة العسكرية اللبنانية.

كما أن إشراك قوى الأمن الداخلي في هذا المسار يعكس رغبة فرنسية في تعزيز المنظومة الأمنية اللبنانية ككل، بحيث يتولى كل جهاز مسؤولياته، فيما يتركز دور الجيش بصورة أكبر على المهام العسكرية والأمنية ذات الأولوية، وفي مقدمتها الانتشار على الحدود وفي المناطق التي كانت خارج سيطرته الكاملة.

ويكتسب الجنوب أهمية خاصة في هذا التحرك، إذ إن أي حديث عن تثبيت الاستقرار في لبنان يظل مرتبطاً بقدرة الجيش على الانتشار في مختلف الأراضي اللبنانية، بما فيها المناطق الجنوبية، وعلى أداء دوره باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية الوحيدة المخولة بحمل السلاح.

لكن هذه المهمة تصطدم بواقع معقد، في ظل استمرار التوتر مع إسرائيل ووجود مناطق لبنانية تحت الاحتلال، فضلاً عن ملف سلاح حزب الله الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في المعادلة الداخلية.

وتسعى بيروت، وفق هذا المسار، إلى تعزيز الجيش بما يسمح له بتحمل مسؤوليات أكبر على الأرض. غير أن زيادة القدرات العسكرية لا تعني تلقائياً قدرة الجيش على فرض ترتيبات أمنية مستقرة، إذ إن نجاحه في أداء هذه المهمة يتطلب بيئة سياسية وأمنية تسمح له بالتحرك، إضافة إلى التزام الأطراف الإقليمية والدولية بالتفاهمات المتعلقة بالجنوب.

وتأتي الخطوة الفرنسية بعد اتفاق الإطار الذي وقعته بيروت وتل أبيب في 26 يونيو الماضي برعاية أميركية، والذي يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي المحتلة بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، إلى جانب العمل على نزع سلاح الجماعات المسلحة.

وتضع هذه الترتيبات المؤسسة العسكرية اللبنانية في موقع محوري، إذ يفترض أن تكون الجهة التي تتولى ملء الفراغ الأمني الناتج عن أي انسحاب إسرائيلي، وأن تكرس وجود الدولة في المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات عسكرية متكررة.

لكن استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يزيد من صعوبة هذه المهمة. فبينما يُطلب من الجيش توسيع انتشاره وتعزيز حضوره، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية، فيما لا تزال مناطق في الجنوب تحت سيطرتها.

وبذلك يجد الجيش نفسه أمام معادلة معقدة: مطلوب منه أن يثبت قدرته على بسط سلطة الدولة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى حد أدنى من الاستقرار والالتزام بالترتيبات الأمنية حتى يتمكن من تنفيذ هذه المهمة.

ومن هنا تبرز أهمية المبادرة الفرنسية. فباريس لا تتحرك فقط لتأمين موارد إضافية للجيش، وإنما تحاول بناء مظلة دولية تساعد المؤسسة العسكرية على التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب وإعادة ترتيب المشهد الأمني اللبناني.

ويبدو أن فرنسا تراهن على أن تعزيز الجيش يمكن أن يوفر للدولة اللبنانية مساحة أكبر للمناورة، ويقلص الحاجة إلى الاعتماد على القوى المسلحة غير الرسمية، ويعزز فرص تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالجنوب.

كما أن التحرك الفرنسي يحمل بعداً سياسياً واضحاً، إذ إن دعم الجيش اللبناني لطالما شكل أحد الملفات التي تجمع حولها أطراف دولية مختلفة، باعتبار المؤسسة العسكرية من المؤسسات التي يُنظر إليها باعتبارها عاملاً من عوامل الحفاظ على تماسك الدولة. ولذلك، فإن حشد الدعم الدولي لها قد يكون أقل إثارة للخلاف من الانخراط المباشر في الملفات السياسية الداخلية الأكثر تعقيداً.

فرنسا تراهن على أن تعزيز الجيش يمكن أن يوفر للدولة اللبنانية مساحة أكبر للمناورة، ويقلص الحاجة إلى الاعتماد على القوى المسلحة غير الرسمية، ويعزز فرص تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالجنوب.

ويحمل الاجتماع التحضيري في باريس أهمية إضافية لكونه سيجمع قادة القوات المسلحة في عدد من الدول، إلى جانب ممثلين عن منظمات حكومية دولية وخبراء.

وهذا يتيح الانتقال من المساعدات الثنائية المتفرقة إلى مقاربة أكثر تنسيقاً، تقوم على تحديد احتياجات الجيش وتمويلها وفق خطة عمل واضحة، بدلاً من الاكتفاء بمساعدات ظرفية لا تكفي لمعالجة النقص الهيكلي في قدراته.

وفي المقابل، يبقى نجاح المسار الفرنسي مرتبطاً بعوامل تتجاوز حجم المساعدات التي يمكن جمعها. فالجيش اللبناني يحتاج إلى موارد مالية مستدامة، وقدرات لوجستية متطورة، وتدريب مستمر، فضلاً عن بيئة سياسية تسمح له بتنفيذ مهامه دون أن يتحول إلى طرف في الصراعات الداخلية.

كما أن تعزيز قدراته لا يمكن فصله عن معالجة مسألة السلاح خارج إطار الدولة، وهي قضية تتداخل فيها الاعتبارات اللبنانية مع الحسابات الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية.

وبالنسبة إلى فرنسا، فإن تقوية الجيش تمثل أيضاً استثماراً في استقرار لبنان ومنع تحول الجنوب مجدداً إلى ساحة مفتوحة للمواجهات. فكلما امتلكت المؤسسة العسكرية اللبنانية قدرة أكبر على الانتشار والمراقبة وضبط الحدود، زادت فرص تثبيت الترتيبات الأمنية وتقليص مساحة الفوضى التي يمكن أن تستغلها الأطراف المسلحة أو القوى الإقليمية.

وعليه، يبدو أن باريس تحاول تحويل دعم الجيش اللبناني من ملف مساعدات إلى مشروع دولي طويل الأمد، تكون المؤسسة العسكرية بموجبه إحدى الركائز الأساسية لإعادة بناء الدولة وتعزيز سيادتها. غير أن الطريق أمام هذا الهدف لا يزال محفوفاً بالعقبات، وفي مقدمتها استمرار التوتر في الجنوب، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وملف سلاح حزب الله، فضلاً عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يحد من قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها الأمنية.

وفي نهاية المطاف، فإن مؤتمر باريس المرتقب لن يكون مجرد مناسبة لجمع المساعدات، بل اختباراً لمدى استعداد المجتمع الدولي للاستثمار في قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الأمني. فتعزيز الجيش قد يشكل خطوة ضرورية، لكنه لن يكون كافياً وحده ما لم يترافق مع تسوية سياسية وأمنية أوسع تضمن انسحاب إسرائيل، وتتيح للجيش الانتشار في الجنوب، وتضع السلاح تحت سلطة الدولة.

ومن هنا، فإن المسار الذي تفتحه فرنسا قد يكون بداية لإعادة بناء المعادلة الأمنية اللبنانية، لكن نجاحه سيبقى رهناً بما ستؤول إليه المواجهة على الأرض وبمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل الدعم الدولي للجيش إلى نفوذ فعلي للدولة اللبنانية.

اضف تعليقك