(عاد/ روسيا) متابعات:
تتحرك مؤسسات الاتحاد الأوروبي نحو إعادة إطلاق المفاوضات مع المغرب بشأن اتفاق جديد للشراكة في مجال الصيد المستدام، بعد سنوات من الجمود الذي أعقب حكم محكمة العدل الأوروبية في 2024، في خطوة تعكس حاجة أوروبية إلى إعادة ترتيب أحد أبرز ملفات الشراكة مع الرباط، في وقت تغيرت فيه المعطيات السياسية والقانونية المحيطة بقضية الصحراء بشكل كبير.
وجاء التحرك عقب اجتماع لجنة الممثلين الدائمين للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وإعداد قرار يسمح للمفوضية الأوروبية بفتح مفاوضات مع المغرب، وتكليفها بالتفاوض باسم الاتحاد والتشاور مع الدول الأعضاء، ولا سيما ضمن مجموعة العمل التابعة للمجلس المكلفة بسياسة الصيد.
وتأتي هذه الخطوة في وقت لم تعد فيه الرباط تنظر إلى اتفاق الصيد بالصيغة القديمة نفسها، بعدما أصبحت قضية إدراج المياه الإقليمية الجنوبية مرتبطة مباشرة بالتحولات التي شهدها ملف الصحراء، وبالمواقف الدولية المتزايدة دعماً لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
وينص مشروع القرار الأوروبي على إجراء مشاورات مع مجموعة العمل التابعة للمجلس المكلفة بسياسة الصيد، كما تربط حيثيات الوثيقة الاستعداد للمفاوضات بحكم محكمة العدل الأوروبية الصادر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2024، والذي قضى بأن الاتفاقيتين التجارية والصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، بالصيغة التي تشمل الأقاليم الجنوبية، لا يمكن أن تستمرا من دون معالجة الأساس القانوني لإدراج تلك الأقاليم.
وكانت المحكمة قد ألغت قرار المجلس المتعلق باتفاق 2019، ما فرض على بروكسل البحث عن صيغة جديدة تتجنب الإشكالات القانونية التي أثارتها المحكمة.
ويأتي التحرك الأوروبي بعدما أنهت المفوضية الأوروبية تقييماً شاملاً للبروتوكول السابق، شمل حصيلته والنتائج التي تحققت خلال فترة تنفيذه، إلى جانب تحديد الجوانب التي تحتاج إلى المراجعة والتطوير. ومن المرتقب أن تشكل خلاصات هذا التقييم أرضية للموقف الأوروبي خلال المباحثات المقبلة.
وتصنف المفوضية الأوروبية اتفاق الشراكة في مجال الصيد البحري مع المغرب حالياً ضمن الاتفاقات «المعلقة»، وهو وضع يعني استمرار إطار الشراكة بين الطرفين، من دون وجود بروتوكول تنفيذي يسمح للسفن الأوروبية بممارسة الصيد في المياه المغربية.
وكان آخر بروتوكول قد انتهى رسمياً في 17 يوليو/تموز 2023، لتبقى الشراكة القانونية قائمة، بينما غياب بروتوكول تنفيذي يحول دون ممارسة الأسطول الأوروبي نشاط الصيد في المياه المغربية.
ومنذ الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020، ثم التحولات الدبلوماسية اللاحقة في هذا الملف، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 لعام 2025 وما أحدثه من تحول في موقع مقترح الحكم الذاتي داخل النقاش الأممي، تغيرت البيئة السياسية التي كانت تحيط باتفاق الصيد.
فالمغرب، الذي كان ينظر إلى الشراكة الاقتصادية مع أوروبا باعتبارها جزءاً من شبكة أوسع من المصالح التي يمكن أن تعزز موقفه السياسي، بات يمتلك اليوم هامشاً أكبر للمناورة، خصوصاً مع اتساع دائرة الدول التي تدعم مقترح الحكم الذاتي أو تتعامل معه باعتباره أساساً للحل.
وبالتالي، لم تعد الرباط في حاجة إلى التعامل مع اتفاق الصيد باعتباره أداة للحصول على مكسب سياسي في مقدمته أو ديباجته، بقدر ما أصبح المطلوب منها ضمان صيغة قانونية واقتصادية تحمي مصالحها وتمنع إعادة إنتاج الطعون التي عطلت الاتفاق السابق.
تتوجس دول أوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، من أن يؤدي استمرار الجمود إلى دفع المغرب نحو توسيع شبكة شركائه وأسواقه البديلة
ويقول خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، إن أي اتفاق جديد بين الرباط وبروكسل يجب أن يمنح العلاقة زخماً قانونياً جديداً ويغلق الباب أمام التأويلات المتعلقة بطبيعة تعاقد المغرب مع الاتحاد الأوروبي.
وأوضح شيات أن الاتفاقية المستقبلية يمكن أن تشكل معياراً أساسياً على المستوى القانوني، مشدداً على ضرورة أن تكون محمية من الطعون القضائية، وأن تحظى بضمانات قوية للتطبيق والتنفيذ بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وأشار شيات، في تصريح لـ«العرب»، إلى أن الأبعاد الاقتصادية للاتفاق لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياسة، باعتبار أن الملف البحري أحد أبرز مجالات الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ويمكن أن يتيح فرصاً لتعزيز التعاون ضمن إطار مستقر سياسياً.
وتتوجس دول أوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، من أن يؤدي استمرار الجمود إلى دفع المغرب نحو توسيع شبكة شركائه وأسواقه البديلة، بما يقلل من الوزن النسبي للاتحاد الأوروبي في علاقاته الاقتصادية مع المملكة.
وفي هذا السياق، وقع المغرب وروسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2025 اتفاقاً جديداً للتعاون في مجال الصيد البحري، ينظم حصص ومناطق عمل السفن الروسية ويشمل التعاون العلمي والتقني، بالتوازي مع توسيع الرباط علاقاتها الاقتصادية مع كوريا الجنوبية.
كما تقوم الصين بتشغيل عدد من سفن الصيد في المياه المغربية، في نموذج مختلف عن منح التراخيص المباشرة لأسطول أجنبي، لكنه يعكس في المجمل اتساع الخيارات المتاحة أمام الرباط.
وهذه البدائل تمنح المغرب مساحة أكبر في التفاوض مع أوروبا، خصوصاً أن الاتفاق السابق كان يوفر للمملكة مقابلاً مالياً إجمالياً يقارب 208 ملايين يورو خلال أربع سنوات مقابل فرص الصيد ودعم تنمية القطاع.
ورغم أهمية هذا المبلغ، فإنه لا يضع الرباط في وضع اقتصادي يفرض عليها استعجال تجديد الاتفاق بأي ثمن.
ولا يبدو أن الطريق أمام اتفاق جديد سيكون سهلاً، فبروكسل مطالبة بإيجاد صيغة تتجنب العقبات القانونية التي أسقطت الاتفاق السابق، بينما تريد الرباط ضمانات سياسية وقانونية واقتصادية تحول دون إعادة الملف إلى دوامة الطعون القضائية.
ومن المرجح أن يكون إدراج الأقاليم الجنوبية في أي صيغة جديدة أحد أكثر الملفات حساسية، إلى جانب آليات توزيع العائدات وضمان استفادة السكان المحليين والضمانات القانونية التي يمكن أن تمنع تكرار سيناريو 2024.
لكن المعادلة تغيرت أيضاً بالنسبة إلى المغرب. فبعد سنوات كان فيها الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك الاقتصادي الأكثر أهمية والورقة الخارجية الأبرز في عدد من الملفات، باتت الرباط تمتلك شبكة أوسع من العلاقات والشراكات، بما يسمح لها بالتفاوض من موقع أكثر توازناً.
وفي هذه المعادلة، يبدو أن أوروبا هي التي تريد استعادة الاتفاق، بينما لم يعد المغرب مضطراً إلى استعادته بأي ثمن.

























