كثيرًا ما قرأنا عن النتاجات المعرفية لكثير من الأدباء والكتاب والعلماء في شتى صنوف الفكر والمعرفة، وكلها تثري العقل، وتمنح الإنسان كنزًا من العلوم والآداب والمعلومات، وتنير دروب حياته؛ ذلك الكائن الذي أنعم الله عليه بالعقل والتفكير، وحمّله أمانة الاستخلاف وتعمير الأرض.
وفي هذا السياق المعرفي الجميل، يطل علينا ابن الإدارة العامة الهندسية والفنية م . حضرموت، المهندس محمد صلاح بن سعدون الصيعري، الذي عشق عمله حتى الثمالة، وأبى إلا أن يفتح للعالم نافذة للتعريف بجهود إدارته وكل زملائه في هذه المهنة، توثيقًا لعطائهم حتى لا يطويهم التهميش أو النسيان.
لقد صاغ المهندس محمد كل هذا الحب لمحيطه الهندسي في كتيب توثيقي جميل، يؤرخ لمسيرة هذه الإدارة التي قدمت الكثير من الجهد والخبرة والتقنية لإيصال الصوت الإذاعي الحضرمي الأصيل إلى كل بقاع الدنيا، ليكون لحضرموت صوتها المتميز، المعبر عن هويتها وثقافتها وتاريخها وتطلعاتها وهموم أبنائها؛ أولئك الحضارم الذين ملأوا الدنيا نشاطًا تجاريًا محمودًا، وأخلاقًا عالية، وقدوة وسيرة إسلامية حسنة، استهوت إليها ملايين البشر في شرق آسيا وأفريقيا والجزيرة العربية ومختلف أنحاء العالم.
والكتيب، الواقع في 61 صفحة من القطع المتوسط، لم يكن مجرد سرد جاف للتاريخ، بل جاء مفعمًا بالوفاء والتقدير؛ إذ اشتمل على كلمات شكر وتقدير وإهداءات لمن يستحقها، ثم استعرض بصورة مركزة تاريخ العمل الهندسي الإذاعي منذ نشأته عام 1967م وحتى اليوم، وما شهده من تطور في أجهزته الإذاعية والتلفزيونية، مع تعريف شامل بمكوناته وتردداته وطاقمه الهندسي الذي تولى تشغيله وإدارته، إلى جانب صور جميلة وثقت مراحل مهمة من تاريخ الإدارة وتقنيات عملها.
وهنا تكمن قيمة هذا العمل؛ فهو لا يوثق أجهزة ومعدات فحسب، بل يوثق ذاكرة رجال، وذاكرة مؤسسة، وذاكرة صوت حضرمي ظل يصل إلى الناس رغم تعاقب الظروف والأزمنة.
فتحية لهذا الشاب المبدع محمد بن سعدون، الذي أنتج لنا هذا التنوير المعرفي، وفتح نافذة على معلم مهم من معالم التاريخ الحضرمي الحديث.
وتحية، من القلب، لكل من أسهم في إنشاء هذه الإدارة وتطويرها، بدءًا من مؤسسها المبدع مبارك النهدي، رحمه الله، ومطورها المرحوم الأستاذ فؤاد بامطرف، والداعم الرئيسي لتطويرها المحافظ محمد باشماخ، ولكل المدراء والنواب والمهندسين والفنيين الذين حملوا أمانة قيادتها وتطويرها عبر السنين.
إن أجمل ما في هذا الكتيب أن مهندسًا أحب مهنته، فأحبّ تاريخها، وأحبّ رجالها، ثم قرر أن يحفظ هذا الحب للأجيال القادمة.
وهكذا، حين ينطق المهندس عن عشقه لمحيطه الهندسي، فإنه لا يتحدث عن آلات وأجهزة وترددات فحسب، بل يتحدث عن حضرموت… عن صوتها، وذاكرتها، ورجالها، وعن حكاية وطن تستحق أن تُروى ولا تُنسى.




















