(عاد/ واشنطن) متابعات:
يبدو أن القوى السياسية اليمنية المناهضة لجماعة الحوثي بدأت تتعامل مع الصراع باعتباره متجهاً نحو مرحلة مختلفة، بعدما أعلن تكتل يضم 22 حزباً ومكوناً سياسياً أن المواجهة مع الجماعة ستكون «شاملة وحاسمة» حتى هزيمة ما وصفه بـ«الانقلاب» واستعادة مؤسسات الدولة.
ويأتي هذا الموقف في توقيت لافت، مع تجدد المواجهات في عدد من الجبهات، وبعد سنوات من التهدئة والمسارات السياسية التي حاولت إبقاء الحرب اليمنية ضمن حدود يمكن احتواؤها، من دون أن تؤدي إلى تسوية نهائية.
وقال التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية، الذي يضم أبرز القوى اليمنية، بينها المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري واتحاد الرشاد اليمني، إن اليمن يقف أمام «مفترق طرق» بسبب التصعيد الحوثي على جبهات مأرب والساحل الغربي وغيرها.
ودعا التكتل اليمنيين إلى الاستعداد لمواجهة كل الاحتمالات، مؤكداً أن المواجهة لن تنتهي، من وجهة نظره، إلا بـ«هزيمة الانقلاب واستعادة الدولة».
ويحمل البيان رسالة تتجاوز الإدانة السياسية للتصعيد الحوثي. فهو يمثل غطاءً سياسياً وحزبياً لمحاولة إعادة ترتيب أولويات القوى المناهضة للحوثيين، بعد أن استنفدت، إلى حد كبير، مسارات التهدئة والحوار التي جرى التعويل عليها خلال السنوات الماضية.
فقد أتاحت الهدنة التي بدأت في أبريل/نيسان 2022 فترة طويلة نسبياً من انخفاض مستوى القتال، كما فتحت الباب أمام تحركات سياسية إقليمية، بينها الوساطة العمانية واتصالات متعددة الأطراف، ومسارات الحوار السعودي مع الحوثيين.
لكن هذه المسارات لم تنتج اتفاقاً نهائياً يعيد توحيد مؤسسات الدولة أو ينهي سيطرة الحوثيين على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد.
ومع عودة التوتر العسكري، يبدو أن قطاعاً من القوى اليمنية بات يرى أن استمرار الرهان على التسوية من دون تغيير موازين القوى على الأرض لن يؤدي إلى نتيجة مختلفة.
وهنا تكمن أهمية الحديث عن «معركة شاملة وحاسمة»: الشرعية تريد الانتقال من انتظار التسوية إلى محاولة فرض شروطها على طاولة التفاوض من خلال الميدان.
لكن إعلان معركة حاسمة لا يعني بالضرورة أن الحسم العسكري سيكون سريعاً.
فالواقع العسكري اليمني لا يسمح بسهولة بتصور حرب خاطفة تنتهي خلال أسابيع. فللحوثيين خبرة طويلة في حرب الاستنزاف، ويمتلكون ترسانة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فضلاً عن قدرتهم على العمل من مناطق جبلية ومراكز سكانية معقدة.
السيناريو الأكثر ترجيحاً سيكون حرب استنزاف طويلة، تتقدم فيها الجبهات وتتراجع، وتختبر قدرة كل طرف على توفير التمويل والسلاح
كما أن طبيعة الجغرافيا اليمنية تجعل السيطرة على الأرض أكثر صعوبة من مجرد تحقيق تفوق عسكري في جبهة محددة.
لذلك، إذا تحولت المواجهة فعلاً إلى حرب مفتوحة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً سيكون حرب استنزاف طويلة، تتقدم فيها الجبهات وتتراجع، وتختبر قدرة كل طرف على توفير التمويل والسلاح والكوادر والحفاظ على تماسكه السياسي.
وسيكون الحوثيون أمام اختبار قدرتهم على تحمل ضغط عسكري متزامن في أكثر من جبهة، بينما ستواجه القوى الحكومية السؤال الأصعب: هل تستطيع الحفاظ على وحدة القيادة والقرار العسكري؟
ويحاول التكتل تقديم التصعيد باعتباره نتيجة مباشرة لما وصفه بالهجمات الحوثية، مؤكداً أن الجماعة المدعومة من إيران خرقت جهود التهدئة واختارت استمرار المواجهة.
لكن أي حرب جديدة لن تكون نسخة من الحرب السابقة. فالخبرة العسكرية التي اكتسبها الحوثيون خلال سنوات القتال، إلى جانب تطوير قدراتهم الصاروخية والمسيرة، تمنحهم قدرة أكبر على ضرب العمق والمواقع العسكرية وتهديد خطوط الإمداد.
وهذا يعني أن القوى المناهضة لهم قد تكون قادرة على تحقيق مكاسب برية، لكنها ستظل معرضة لهجمات بعيدة المدى يمكن أن تجعل الحرب أكثر كلفة وأطول زمناً.
كما أن أي حملة عسكرية واسعة ستحتاج إلى تنسيق وثيق بين القوات التابعة لمجلس القيادة الرئاسي والقوى المحلية المختلفة، وهو أمر لم يكن سهلاً في السابق.
ويبقى موقف المجلس الانتقالي الجنوبي أحد أهم الأسئلة في أي معركة مقبلة.
فالمجلس يمثل قوة عسكرية وسياسية رئيسية في الجنوب، لكنه يحمل مشروعاً سياسياً مختلفاً عن مشروع الدولة اليمنية الموحدة الذي تتمسك به قوى أخرى داخل مجلس القيادة الرئاسي.
ومن ثم فإن مشاركته الكاملة في معركة ضد الحوثيين يمكن أن تمنح القوات المناهضة للجماعة زخماً عسكرياً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح أسئلة حول شكل الدولة التي ستنشأ بعد الحرب.
أما بقاء المجلس على الحياد، أو دخوله الحرب وفق حساباته الخاصة، فقد يعني أن القوى المناهضة للحوثيين ستخوض المعركة من دون الاستفادة الكاملة من قدراته.
وهناك سيناريو أكثر تعقيداً: أن يترك المجلس الأطراف المتصارعة تستنزف بعضها، ثم يتعامل مع نتائج الحرب وفق ميزان القوى الجديد.

























