(عاد/ فرنسا) متابعات:
في كل مرة يقترب فيها مضيق هرمز من الإغلاق، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ما زال العالم أسيرًا لممر بحري ضيق يقع في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، أم أن السنوات المقبلة يمكن أن تحمل شبكة بديلة تجعل النفط والغاز قادرين على الوصول إلى الأسواق من دون المرور بهذا الاختناق الجغرافي؟
السؤال يبدو للوهلة الأولى تقنيًا. كم أنبوبًا يمكن بناؤه؟ وكم مليون برميل يمكن تحويلها إلى موانئ أخرى؟ وكم سنة تحتاج دول الخليج إلى إنشاء طرق تصدير بديلة؟ لكن المسألة في حقيقتها أكبر بكثير من حسابات الطاقة. مضيق هرمز ليس مجرد ممر للسفن؛ إنه إحدى النقاط التي تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة والأمن الدولي. ولذلك فإن محاولة الاستغناء عنه ليست مشروعًا لنقل النفط من مكان إلى آخر، وإنما مشروع لإعادة رسم خريطة القوة في الخليج.
المشكلة الأولى تبدأ من حجم ما يمر عبر هرمز. فالمضيق يحمل يوميًا كميات ضخمة من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، إضافة إلى تدفقات الغاز الطبيعي المسال. وتكمن أهميته في أنه يربط المنتجين الرئيسيين في الخليج بالأسواق الآسيوية والأوروبية، في وقت لا تستطيع فيه معظم دول المنطقة الوصول إلى البحر المفتوح من دون المرور به.
ولهذا فإن إغلاق هرمز لا يعني ببساطة أن السفن ستبحث عن طريق أطول. لا يوجد طريق بحري بديل يؤدي الوظيفة نفسها. فالناقلة التي تغادر الخليج ولا تريد المرور عبر هرمز لا تستطيع الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية ثم العودة إلى المحيط الهندي بطريقة اقتصادية وعملية. البديل الحقيقي هو نقل جزء من النفط برًا عبر الأنابيب إلى موانئ تقع خارج المضيق.
وهنا تظهر أهمية السعودية والإمارات بصورة خاصة.
السعودية تمتلك ورقة استراتيجية ربما تكون الأهم في هذا السياق: منظومة النقل عبر البحر الأحمر، وفي مقدمتها خط شرق–غرب، المعروف تاريخيًا باسم «بترولاين»، الذي يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع. هذا الخط لا يلغي هرمز، لكنه يخلق منفذًا آخر إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر، وهو ما يمنح الرياض هامشًا مهمًا من الاستقلال عن المضيق.
لكن حتى هذه الورقة لا تستطيع استبدال هرمز بالكامل. فالطاقة التصميمية للخط كبيرة، إلا أن تشغيله بكامل طاقته يحتاج إلى اعتبارات مرتبطة بنوع الخام، والموانئ، والتخزين، والقدرات المتاحة في الجانب الآخر من السلسلة اللوجستية. كما أن رفع التدفقات المستمرة عبر البحر الأحمر يخلق بدوره اعتبارات أمنية جديدة، خصوصًا في ظل حساسية المنطقة الممتدة من باب المندب إلى قناة السويس.
الإمارات تمتلك بدورها نموذجًا أكثر وضوحًا لفكرة تجاوز المضيق. فخط حبشان–الفجيرة ينقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة الواقع على خليج عُمان، أي خارج مضيق هرمز. وهذه ميزة جغرافية لا يمكن التقليل من شأنها. فالفجيرة تستطيع أن تمنح جزءًا من صادرات الإمارات منفذًا مباشرًا إلى المحيط الهندي، وتقلل اعتماد الدولة على المرور البحري داخل المضيق.
لكن الإمارات، مثل السعودية، لا تستطيع ببساطة أن تقول إن هرمز لم يعد مهمًا. فالقدرة التي يمكن تحويلها عبر الخطوط البرية تظل محدودة مقارنة بإجمالي التدفقات التي تمر بالمضيق، كما أن بعض صادرات الطاقة الإماراتية ومنتجاتها تبقى مرتبطة بمنظومة الخليج البحرية.
أما مصر، فتمثل حالة مختلفة. خط سوميد، الذي ينقل النفط من العين السخنة على البحر الأحمر إلى سيدي كرير على المتوسط، يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في إعادة توجيه جزء من التدفقات النفطية نحو أوروبا. لكنه ليس طريقًا مباشرًا لتجاوز هرمز بالنسبة إلى كل صادرات الخليج، بل هو حل ضمن سلسلة لوجستية أوسع تبدأ من الخليج وتنتهي في البحر الأحمر.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي كثيرًا ما تغيب عن النقاش: الأنبوب لا يعمل وحده.
حين تصبح هناك أنابيب متعددة، وموانئ بديلة، ومخزونات أكبر، وشبكات نقل أكثر مرونة، لن يختفي هرمز من الخريطة. لكن أهميته كسلاح سياسي ستتراجع. وهذا هو البديل الحقيقي
لكي يصبح خط أنابيب بديلًا حقيقيًا، تحتاج الدولة إلى موانئ قادرة على استقبال النفط، وخزانات تخزين، ومحطات ضخ، وأساطيل ناقلات، وقدرات تكرير، وتأمين، ومسارات برية وسككية، وعقود طويلة الأجل مع المشترين. ولذلك فإن بناء أنبوب جديد لا يعني تلقائيًا إنشاء بديل لمضيق هرمز.
العراق يقدم مثالًا آخر على صعوبة المعادلة. فخط كركوك–جيهان يوفر منفذًا إلى البحر المتوسط، لكن قدرة العراق على الاعتماد عليه بصورة كاملة مرتبطة بالوضع السياسي والأمني، وبطاقة الإنتاج في الشمال، وبالعلاقات مع تركيا. أما المشاريع المقترحة لربط حقول البصرة بمنافذ أخرى، فهي تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة واستقرار سياسي لا يزال غير مضمون.
وإيران نفسها أدركت هذه المعادلة منذ سنوات. تطوير محطة جاسك على بحر عُمان يمثل محاولة استراتيجية لخلق منفذ لتصدير النفط بعيدًا عن هرمز. لكن قدرة هذا المسار لا تزال بعيدة جدًا عن أن تجعل إيران قادرة على الاستغناء عن المضيق. والمفارقة هنا أن الدولة التي تملك القدرة الجغرافية والسياسية على التأثير في المضيق هي نفسها تحتاج إليه في جزء كبير من تجارتها النفطية.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر أهمية: إذا كانت البدائل موجودة، فلماذا لا يتم توسيعها ببساطة؟
الجواب أن تكلفة الاستغناء عن هرمز ليست فقط تكلفة بناء الأنابيب. إنها تكلفة إعادة بناء شبكة كاملة.
إذا أرادت دول الخليج تقليل اعتمادها على المضيق بصورة كبيرة خلال العقد المقبل، فسوف تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الأنابيب والموانئ والتخزين والربط الإقليمي. وستحتاج كذلك إلى إعادة تنظيم حركة الطاقة بين السعودية والإمارات والعراق وعُمان ومصر وتركيا، وربما إلى تطوير بنية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.
وهنا يتحول مشروع الطاقة إلى مشروع جيوسياسي.
فالخط الذي ينقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر يعيد توزيع أهمية الموانئ. والخط الذي يخرج النفط الإماراتي إلى الفجيرة يعزز أهمية الساحل العُماني وخليج عُمان. وأي ربط عراقي–تركي يعزز وزن تركيا في معادلة الطاقة الإقليمية. أما توسيع دور مصر، فيعيد قناة السويس وسوميد إلى قلب المعادلة الأوروبية للطاقة.
بمعنى آخر، كل برميل يخرج من الخليج عبر طريق بديل يعيد توزيع قدر من النفوذ السياسي بين دول المنطقة.
لكن هناك مشكلة أكبر: النفط ليس كل شيء.
فالحديث عن تجاوز هرمز غالبًا ما يركز على الخام، لأن النفط يمكن نسبيًا نقله عبر الأنابيب. أما الغاز الطبيعي المسال، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. قطر، على سبيل المثال، تعتمد على هرمز لتصدير جزء أساسي من إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال. ولا يمكن ببساطة إنشاء «أنبوب بديل» يعوض ناقلات الغاز التي تعبر المضيق، لأن الغاز المسال يحتاج إلى سلسلة متكاملة من محطات الإسالة والتخزين والنقل وإعادة التغويز.
وهذا يعني أن إغلاق هرمز لا يخلق أزمة نفط فقط؛ يمكن أن يتحول إلى أزمة غاز عالمية أيضًا. وهنا تظهر حقيقة أكثر قسوة: لا يمكن للعالم أن يستغني عن هرمز بسرعة، حتى لو أراد ذلك.
يمكن تقليل الاعتماد عليه. يمكن بناء هوامش أمان. يمكن زيادة التخزين الاستراتيجي. يمكن توسيع الأنابيب. ويمكن تحويل جزء من التدفقات إلى البحر الأحمر أو خليج عُمان. لكن الاستغناء الكامل عن المضيق يحتاج إلى إعادة بناء بنية الطاقة العالمية على مدى سنوات طويلة، وربما أكثر من عقد.
حتى الرقم المتداول حول «20 مليون برميل يوميًا» يجب التعامل معه بحذر، لأن حجم التدفقات يتغير من فترة إلى أخرى تبعًا للإنتاج والأسعار والطلب والعقوبات والاضطرابات. لكن الاتجاه العام واضح: هرمز يظل من أكبر الاختناقات الاستراتيجية للطاقة في العالم، وأي اضطراب طويل فيه لا يمكن تعويضه بسرعة من خلال الأنابيب القائمة وحدها.
وهذا يفسر لماذا لا تكون المعركة حول المضيق مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة. إنها معركة على الاقتصاد العالمي.
فإذا ارتفعت تكلفة التأمين على الناقلات، ارتفعت تكلفة النفط. وإذا ارتفعت أسعار النفط، ارتفعت تكلفة النقل والصناعة والكهرباء والبتروكيماويات. وإذا طال الإغلاق، تبدأ الدول المستوردة في السحب من مخزوناتها الاستراتيجية، فيما تبدأ الشركات بإعادة تسعير عقودها، وتتغير توقعات الأسواق.
إغلاق هرمز لا يخلق أزمة نفط فقط؛ يمكن أن يتحول إلى أزمة غاز عالمية أيضًا. وهنا تظهر حقيقة أكثر قسوة: لا يمكن للعالم أن يستغني عن هرمز بسرعة، حتى لو أراد ذلك
وفي هذه اللحظة، يصبح المضيق أشبه بصمام في النظام الاقتصادي العالمي.
قد لا تحتاج إيران إلى إغلاقه بالكامل حتى تستخدمه أداة ضغط. يكفي أحيانًا أن تجعل المرور أكثر خطورة، أو أن ترفع تكلفة التأمين، أو أن تدفع الناقلات إلى الانتظار، حتى يتحول المضيق من طريق تجاري طبيعي إلى منطقة مخاطر.
وهذه النقطة هي التي يجب أن تعيد دول الخليج التفكير فيها.
الهدف الواقعي ليس «إلغاء هرمز». ذلك غير ممكن في المدى المنظور. الهدف هو جعل إغلاقه أقل قدرة على شل الاقتصاد الخليجي والعالمي. وهذا يتطلب الانتقال من فلسفة «البديل» إلى فلسفة «شبكة البدائل».
فلا ينبغي أن تبحث السعودية عن طريق واحد بديل، ولا الإمارات عن خط واحد، ولا مصر عن زيادة دور سوميد وحده. المطلوب هو منظومة متعددة المسارات تستطيع استيعاب الصدمات: أنابيب شرق–غرب، وموانئ الفجيرة، وسوميد، وممرات البحر الأحمر، وموانئ بحر العرب، ومخزونات استراتيجية أكبر، وشبكات نقل إقليمية أكثر مرونة.
لكن ذلك كله لن ينجح إذا بقي الأمن منفصلًا عن الطاقة.
فكلما توسعت البدائل، ظهرت نقاط اختناق جديدة. ميناء ينبع يصبح أكثر أهمية، والفجيرة تصبح أكثر أهمية، وباب المندب يصبح أكثر أهمية، وقناة السويس تصبح أكثر أهمية. وبالتالي فإن تجاوز هرمز لا يلغي المخاطر الجيوسياسية؛ إنه ينقل بعضها إلى أماكن أخرى.
وهذه هي المفارقة التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن «طرق بديلة»: لا توجد جغرافيا طاقة بلا مخاطر.
إذا خرج النفط من هرمز، فسيمر في طريق آخر. وإذا خرج من الخليج عبر البحر الأحمر، سيواجه باب المندب. وإذا اتجه شمالًا، سيحتاج إلى تركيا. وإذا عبر المتوسط، سيحتاج إلى قناة السويس. وكل طريق جديد يصنع معه نقطة اختناق جديدة.
لهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل يستطيع العالم الاستغناء عن مضيق هرمز؟ بل: كم يستطيع العالم أن يقلل من قدرته على ابتزاز الأسواق؟
وهنا يمكن أن تبدأ استراتيجية مختلفة. خلال عامين يمكن زيادة استخدام القدرات الموجودة، وتحسين التخزين، وتوسيع بعض الاختناقات في الأنابيب والموانئ. وخلال خمس سنوات يمكن تنفيذ عدد أكبر من المشاريع العابرة للحدود، وربط شبكات الطاقة بموانئ خارج المضيق. وخلال عقد يمكن بناء منظومة أكثر مرونة تجعل أي إغلاق مؤقت للمضيق أزمة قابلة للإدارة، بدل أن يكون صدمة عالمية.
لكن حتى في أفضل السيناريوهات، سيظل هرمز مهمًا.
والسبب ليس أن العالم عاجز عن بناء البدائل، وإنما لأن حجم التجارة التي تمر عبره يجعل استبداله بالكامل مشروعًا اقتصاديًا وسياسيًا هائلًا. قد تستطيع الدول أن تبني طرقًا جديدة. لكنها لا تستطيع أن تبني جغرافيا جديدة.
وهذه هي الحقيقة التي تجعل مضيق هرمز أكثر من ممر مائي: إنه نقطة التقاء بين النفط والجغرافيا والسيادة والأسواق. وربما يكون الهدف الاستراتيجي للعقد المقبل ليس تحرير العالم من هرمز، وإنما تحريره من فكرة أن إغلاقه قادر وحده على شل الاقتصاد العالمي.
فحين تصبح هناك أنابيب متعددة، وموانئ بديلة، ومخزونات أكبر، وشبكات نقل أكثر مرونة، لن يختفي هرمز من الخريطة. لكن أهميته كسلاح سياسي ستتراجع. وهذا، في نهاية المطاف، هو البديل الحقيقي.

























