(عاد/ واشنطن) متابعات:
تدرس وزارة الدفاع الأميركية إمكانية تقليص الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج العربي، في خطوة قد تمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً في السياسة الدفاعية الأميركية بالشرق الأوسط بعد أشهر من الحرب مع إيران، وفق تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، استند إلى شهادات ثمانية مسؤولين ومطلعين على المناقشات الجارية داخل البنتاغون.
ولا يزتا التقييم في مرحلة مبكرة، ولم يصدر وزير الدفاع بيت هيغسيث أمراً رسمياً بإجراء مراجعة شاملة بعد. ويصفه مسؤول رفيع في الوزارة بأنه “تخطيط حكيم” يهدف إلى المساعدة في اتخاذ قرارات مستقبلية بشأن إعادة بناء القواعد العسكرية التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على مدى أشهر.
ويقود مكتب السياسات في البنتاغون هذا التقييم، بمشاركة هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).
واندلعت الحرب مع إيران في فبراير 2026، وشهدت تبادل ضربات مكثفة. قبل اندلاع القتال، أخلت القيادة المركزية الأميركية العديد من قواعدها في الخليج، معتبرة إياها عرضة للهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة. ورغم ذلك، تعرضت منشآت أميركية رئيسية لأضرار كبيرة.
وتنتشر القيادة المركزية عادة نحو 40 ألف جندي أميركي في قرابة 20 موقعاً تمتد على مسافة 1500 ميل من الأردن إلى سلطنة عمان. وتتركز أكبر القواعد الدائمة في منطقة الخليج، حيث تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس، فيما تؤوي الكويت وقطر قواعد برية وجوية مهمة.
ويقول مايكل راتني، الدبلوماسي الأميركي السابق الذي شغل منصب سفير لدى السعودية ونائب رئيس البعثة في قطر، إن الحرب “سلطت الضوء حقاً على ضعف القوات الأميركية في المنطقة”. ويشير مراقبون إلى أن الأضرار فتحت “فرصة تحدث مرة كل جيل” لإعادة التفكير في الانتشار العسكري الأميركي.
أحد الخيارات الرئيسية قيد الدراسة هو سحب جزء من القوات من الخليج وعدم إعادة بناء بعض القواعد المتضررة بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب. ويدعم قائد القيادة المركزية الأدميرال برادلي كوبر المناقشات حول إمكانية نقل القوات غرباً، بعيداً عن مدى الصواريخ الإيرانية المباشر، نحو مناطق مثل الأردن أو إسرائيل أو الساحل الشرقي للبحر الأحمر في السعودية.
ويلاحظ خبراء أن نقل القوات غرباً قد يقلل من تعرضها، لكنه ليس حلاً كاملاً، إذ أثبتت إيران قدرتها على استهداف أهداف بعيدة في الأردن وإسرائيل أيضاً. كما أن أي تقليص كبير قد يستغرق شهوراً أو سنوات لتعويضه من خلال بناء قدرات محلية لدول الخليج أو شراكات أمنية بديلة.
داخل الإدارة الأميركية، من المتوقع أن يثير الموضوع انقساماً بين تيار يؤيد التدخل العسكري القوي وآخر يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية للتركيز على الدفاع عن الوطن أو مواجهة منافسين أقوى مثل الصين.
وتأتي هذه المناقشات متزامنة مع مراجعة أوسع للوجود الأميركي في حلف الناتو، بعد إعلان سحب آلاف الجنود من ألمانيا وبولندا.
وتعتمد دول الخليج منذ عقود على الوجود الأميركي كضمانة أمنية رئيسية. أي انسحاب أو تقليص ملحوظ قد يترك هذه الدول في وضع أكثر هشاشة أمام التهديدات الإيرانية، ويزيد من الإحباط الذي تعبر عنه بعض العواصم الخليجية بسبب عدم استشارتها بشكل كافٍ قبل اندلاع الحرب.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن الشراكة الأمنية يمكن أن تستمر من خلال مبيعات الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية حتى مع وجود عسكري أصغر. وتقدر تكلفة إعادة إعمار القواعد المتضررة بنحو 5 مليارات دولار بحسب معهد أميركان إنتربرايز، بينما بلغت تكلفة الحرب نفسها نحو 37.5 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر وفق تقديرات البنتاغون، دون احتساب تكاليف إعادة البناء.
ويشدد المسؤولون المطلعون على أن أي تغييرات دائمة لا تزال بعيدة، وتتطلب موافقة كبار المسؤولين في الإدارة. وفي يونيو الماضي، وقع الرئيس دونالد ترامب اتفاقاً أولياً مع طهران أشار إلى قرب انتهاء الحرب، لكنه انهار لاحقاً واستمر تبادل الضربات المتقطعة.
يبقى التقييم الأميركي في مراحله الأولى، لكنه يعكس تحولاً محتملاً عميقاً في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقة كانت لعقود ركيزة أساسية في استراتيجيتها العالمية.

























