الإمارات وإيران.. هل انتهت سياسة إبقاء الاقتصاد بعيداً عن التصعيد؟

2026/08/19م

(عاد/ موسكو) متابعات:

تفتح الخطوة الإماراتية بوقف الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران صفحة جديدة في العلاقة بين البلدين، بعدما قررت أبوظبي الانتقال من سياسة احتواء التوتر والحفاظ على قنوات اقتصادية مفتوحة إلى إجراءات أكثر صرامة، عقب إعلانها رصد إطلاق صاروخين باليستيين من إيران باتجاه حركة الملاحة البحرية.

وقالت وزارة الدفاع الإماراتية إن الصاروخين سقطا في البحر، وإن التقييمات أظهرت أنهما كانا يستهدفان حركة الملاحة البحرية، في أول واقعة من هذا النوع تعلن عنها الإمارات منذ هجوم الرابع من مايو/أيار على ميناء الفجيرة.

وبعد ساعات، أعلنت الإمارات وقف «جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر»، مبررة القرار بالتصعيد الإقليمي الذي قالت إنه قوّض السلام والأمن الإقليميين والدوليين.

وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز الرد على حادث أمني محدد، لأنها تمس أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة الإماراتية الإيرانية: العلاقة الاقتصادية التي ظلت، حتى في فترات التوتر السياسي والعسكري، قناة اتصال أساسية بين البلدين.

لطالما اتسمت العلاقة بين أبوظبي وطهران بدرجة من البراغماتية، إذ حافظ البلدان على حجم مهم من العلاقات التجارية والمالية، رغم الخلافات السياسية والأمنية والعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

ولذلك يطرح قرار وقف التعاملات سؤالاً أكبر من مسألة الصاروخين: هل وصلت الإمارات إلى قناعة بأن استمرار النشاط الاقتصادي مع إيران لم يعد متوافقاً مع متطلبات أمنها القومي؟

اللافت أن القرار الإماراتي جاء في وقت تنفي فيه طهران مسؤوليتها عن إطلاق الصاروخين. فقد وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي البيان الإماراتي بأنه «لا أساس له من الصحة».

لكن النفي الإيراني يحمل بدوره دلالة سياسية. فطهران، التي اعتادت في أزمات سابقة تحميل المسؤولية بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقوى مرتبطة بها، تبدو هذه المرة حريصة على الفصل بين الدولة الإيرانية وبين أي عمليات عسكرية يمكن أن تستهدف الإمارات أو مصالحها.

وقد يعكس ذلك خصوصية العلاقة مع أبوظبي، مقارنة بمواقف إيرانية أكثر حدة تجاه دول خليجية أخرى تعرضت لهجمات أو تهديدات خلال السنوات الماضية.

وتثير الخطوة الإماراتية أيضاً أسئلة حول طبيعة العلاقات التجارية والمالية التي حافظت عليها أبوظبي مع طهران خلال السنوات الماضية، ومدى اقترابها من الحدود التي تضعها العقوبات الأميركية على الاقتصاد الإيراني.

فالإمارات كانت لسنوات مركزاً مهماً للتجارة وإعادة التصدير إلى إيران، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من الأسواق الإيرانية وامتلاكها بنية مالية ولوجستية متطورة.

وهذا الدور لم يكن بالضرورة قائماً على تحدي العقوبات الدولية، بل استفاد من الاستثناءات والتعقيدات المرتبطة بالتجارة الإقليمية، ومن قدرة القطاع الخاص على التعامل مع احتياجات السوق الإيرانية.

لكن قرار وقف الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية يضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي.

إذا كانت الإمارات قد اعتادت الفصل بين الاقتصاد والسياسة في علاقتها مع إيران، فإن التطورات الأخيرة تقول إن هذا الفصل أصبح أكثر صعوبة

وفي هذا السياق، جاء الرد الإيراني على لسان وزارة الخارجية ليؤكد أن الإمارات «ملتزمة التزاماً راسخاً بصون سلامة النظام المالي الدولي بما يتماشى مع القانون الدولي»، وهي صياغة توحي بأن طهران نفسها تدرك أن المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي، وإنما تتعلق أيضاً بقواعد النظام المالي الدولي والعقوبات المفروضة على إيران.

يصعب تجاهل أن استمرار تدفق السلع والخدمات والعملة الصعبة إلى إيران عبر قنوات تجارية مختلفة ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تخفيف الضغوط التي تواجه الاقتصاد الإيراني.

كما أن نجاح إيران في الاستمرار بتصدير كميات كبيرة من النفط، رغم العقوبات، يفتح الباب أمام تساؤلات حول شبكات التجارة والتمويل التي تساعد الاقتصاد الإيراني على الاستمرار.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى العلاقة مع الإمارات باعتبارها أكثر من مجرد علاقة تجارية عادية؛ فهي تمثل بالنسبة إلى إيران منفذاً مهماً للأسواق العالمية، ومركزاً لإعادة التصدير، وقناة للحصول على سلع يصعب استيرادها مباشرة.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود «تغاضٍ» إيراني متعمد عن استهداف المصالح الإماراتية، بقدر ما يعكس إدراكاً إيرانياً لقيمة الحفاظ على قناة اقتصادية مع أبوظبي.

فالإمارات بالنسبة إلى طهران ليست مجرد دولة خليجية أخرى، وإنما بوابة اقتصادية قريبة يمكن أن تساعد في تخفيف آثار العزلة.

وهذا قد يفسر لماذا تحرص إيران على نفي مسؤوليتها عن الهجمات التي تستهدف الإمارات، حتى عندما تكون العلاقة بين الطرفين في أسوأ حالاتها.

المشكلة بالنسبة إلى الإمارات أن استمرار هذا الدور الاقتصادي أصبح أكثر صعوبة عندما بدأ الأمن البحري يدخل مباشرة في العلاقة الثنائية.

فأبوظبي اتهمت إيران في الآونة الأخيرة بمهاجمة سفن تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» أثناء عبورها مضيق هرمز، بينما لم تعلن طهران مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

لكن الحرس الثوري الإيراني سبق أن هدد باتخاذ إجراءات ضد السفن التي تعبر المضيق إذا كانت مرتبطة بأعداء طهران أو لم تمتثل للتوجيهات الإيرانية.

وبذلك أصبحت التجارة والنقل البحري والقطاع المالي جزءاً من المعادلة الأمنية، بعدما كان من الممكن إبقاؤها نسبياً بعيداً عن الخلافات السياسية.

وتزداد حساسية الوضع مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ فبراير/شباط، وانتهاء مهلة الستين يوماً المخصصة لمحادثات إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران دون تحقيق تقدم.

ومع ذلك، فإن إعلان الإمارات وقف التعاملات «حتى إشعار آخر» لا يعني بالضرورة أن أبوظبي تتجه إلى قطيعة دائمة مع طهران.

فالاقتصاد والجغرافيا يفرضان على البلدين قدراً من التواصل، كما أن الإمارات لا تبدو معنية بتحويل إجراءاتها إلى مسار يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع إيران.

وقد تكون الخطوة الإماراتية أقرب إلى إعادة رسم حدود العلاقة: التجارة لم تعد بمنأى عن الحسابات الأمنية، وأي تهديد مباشر للملاحة أو المصالح الإماراتية ستكون له تكلفة اقتصادية وسياسية.

وفي المقابل، تواجه إيران خسارة محتملة لقناة اقتصادية مهمة في وقت تحتاج فيه بشدة إلى الحفاظ على منافذها التجارية والمالية.

لذلك قد يكون قرار أبوظبي أكبر من مجرد عقوبة على هجوم صاروخي. إنه اختبار لما إذا كانت العلاقة البراغماتية التي سمحت للبلدين بالحفاظ على المصالح الاقتصادية رغم الخلافات السياسية قادرة على الصمود عندما تصبح هذه المصالح نفسها جزءاً من الصراع الأمني.

فإذا كانت الإمارات قد اعتادت الفصل بين الاقتصاد والسياسة في علاقتها مع إيران، فإن التطورات الأخيرة تقول إن هذا الفصل أصبح أكثر صعوبة؛ وبالنسبة إلى طهران، قد تكون خسارة أبوظبي كمنفذ اقتصادي أقل احتمالاً لتحملها من خسارة جولة سياسية جديدة.

اضف تعليقك