كيف نمنع الميليشيات من تقويض العلاقات العراقية – السعودية

2026/08/08م

(عاد/ موسكو) متابعات:

أعاد التصعيد الأمني الأخير بين الميليشيات العراقية المدعومة من إيران والمملكة العربية السعودية تسليط الضوء على أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة العراقية الجديدة، والمتمثل في قدرتها على منع الجماعات المسلحة من توظيف الأراضي العراقية في صراعات إقليمية تهدد علاقات بغداد مع محيطها العربي.

ولم تقتصر أثار الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية، وما تبعها من غارات أميركية وسعودية على مواقع للميليشيات داخل العراق، على البعد العسكري، بل امتدت إلى المسار السياسي، بعدما أُرجئت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض، في تطور اعتبره مراقبون مكسباً لإيران التي تسعى إلى الحد من التقارب العراقي الخليجي.

ويثير هذا المشهد سؤالاً محورياً: كيف يمكن منع الميليشيات من تقويض العلاقات العراقية-السعودية في وقت تسعى فيه بغداد إلى استعادة دورها الإقليمي، بينما تحاول الرياض بناء شراكة استراتيجية مع الحكومة العراقية الجديدة؟.

وبدأت الأزمة عندما تعرضت المملكة العربية السعودية لسلسلة هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية، استهدفت العاصمة الرياض والمنطقة الشرقية الغنية بالنفط، قبل أن تصيب إحدى الهجمات منشأة بقيق، أكبر منشأة لمعالجة النفط في العالم.

التطورات الأخيرة تكشف أن مستقبل العلاقات العراقية – السعودية يتحدد بقدرة العراق على فرض سيادته ومنع الجماعات المسلحة من رسم سياستها الخارجية بقوة السلاح

ورداً على ذلك، نفذت الولايات المتحدة والسعودية غارات مشتركة استهدفت عدداً من مواقع ومستودعات أسلحة الميليشيات في مناطق مختلفة من العراق، بينها ديالى وكربلاء وشمال البصرة وسهول نينوى.

ووصفت القيادة المركزية الأميركية تلك المواقع بأنها مراكز لوجستية ومستودعات أسلحة تستخدمها جماعات مدعومة من إيران لتنفيذ هجمات ضد المصالح الأميركية ودول الخليج، بينما أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل عشرات من عناصرها في تلك الضربات، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية ضد الفصائل المسلحة منذ سنوات.

ولا ينظر كثير من المراقبين إلى هذه الهجمات باعتبارها أحداثاً أمنية منفصلة، بل يرونها جزءاً من استراتيجية إيرانية تهدف إلى إبقاء العراق ساحة نفوذ متقدمة، ومنع الحكومة العراقية من بناء علاقات متوازنة مع محيطها العربي.

وجاء توقيت التصعيد لافتاً، إذ سبقته زيارة لرئيس الوزراء العراقي إلى طهران، بينما كان يستعد بعد أيام للتوجه إلى السعودية في زيارة كانت تستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين. لكن تأجيل الزيارة بعد الهجمات منح انطباعاً بأن الميليشيات نجحت، ولو مؤقتاً، في تعطيل مسار التقارب بين بغداد والرياض.

وتدرك طهران أن أي شراكة عراقية-سعودية قوية تعني توسيع خيارات بغداد السياسية والاقتصادية، وتقليص اعتمادها على إيران، لذلك تحرص على استخدام الفصائل المسلحة كورقة ضغط لإبقاء العراق ضمن دائرة نفوذها.

ويمثل ملف السلاح المنفلت التحدي الأكبر أمام حكومة علي الزيدي، التي أعلنت منذ تشكيلها أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أولوية وطنية، وحددت نهاية سبتمبر موعداً لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد أي تشكيل مسلح يعمل خارج إطار المؤسسات الرسمية.

لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من إعلان سياسي، إذ يحتاج إلى قدرة تنفيذية وأمنية وقضائية تسمح بتفكيك البنية العسكرية للميليشيات، وتجفيف مصادر تمويلها، ومنع استخدامها الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار.

وفي هذا السياق، ترى دوائر أميركية أن نجاح الحكومة العراقية في فرض سيطرة الدولة على السلاح سيشكل الضمانة الأهم لحماية العلاقات مع السعودية وبقية دول الخليج.

ويضع التصعيد الأخير الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تريد واشنطن دعم الحكومة العراقية الجديدة ومنحها فرصة لإثبات قدرتها على إدارة الملف الأمني، ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل الهجمات التي تستهدف السعودية، أحد أبرز حلفائها في المنطقة.

ولهذا تسعى الإدارة الأميركية إلى الجمع بين الضغط العسكري على الميليشيات، والحفاظ على الزخم السياسي في العلاقات مع بغداد، مع العمل في الوقت نفسه على إعادة القمة العراقية-السعودية إلى مسارها الطبيعي.

ويرى مراقبون أن نجاح هذا التوازن سيكون عاملاً حاسماً في منع إيران من استثمار التوتر لإضعاف الشراكة الناشئة بين العراق ودول الخليج.

ومن أبرز المقترحات المطروحة للحيلولة دون تكرار مثل هذه الأزمات، إنشاء آلية تنسيق أمني دائم بين بغداد والرياض، بدعم أميركي، لتبادل المعلومات الاستخباراتية بشأن تحركات الجماعات المسلحة، ومراقبة مسارات الطائرات المسيّرة وعمليات تهريب الأسلحة.

دوائر أميركية ترى أن نجاح الحكومة العراقية في فرض سيطرة الدولة على السلاح سيشكل الضمانة الأهم لحماية العلاقات مع السعودية وبقية دول الخليج

كما يمكن لهذا التعاون أن يساعد العراق في تعزيز قدراته على اكتشاف منصات إطلاق الطائرات المسيّرة قبل استخدامها، بما يمنع تحويل أراضيه إلى نقطة انطلاق لهجمات تهدد أمن الجوار.

وفي المقابل، يمنح هذا التنسيق السعودية قدراً أكبر من الثقة في قدرة الحكومة العراقية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية، بما يشجع على استمرار الاستثمارات والتعاون الاقتصادي بين البلدين.

وتشير التجارب السابقة إلى أن استهداف مستودعات الأسلحة وحده لا يكفي لردع الميليشيات، إذ غالباً ما تعيد هذه الجماعات بناء قدراتها خلال فترة قصيرة.

ولذلك يدعو بعض الخبراء إلى التركيز على القيادات المسؤولة عن التخطيط للهجمات، باعتبار أن استهدافها أثبت في مراحل سابقة قدرة أكبر على تقليص وتيرة العمليات المسلحة، ولو بشكل مؤقت.

وفي الوقت نفسه، ينبغي تمكين القضاء العراقي من ملاحقة المتورطين في الهجمات، بما يعزز هيبة الدولة ويؤكد أن استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار يمثل جريمة يعاقب عليها القانون.

ولا تقتصر تداعيات نشاط الميليشيات على العلاقات السياسية، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً، إذ تؤدي الهجمات إلى تهديد منشآت الطاقة، وتعطيل عمل الشركات الأجنبية، وتقويض ثقة المستثمرين في السوق العراقية.

ومن هنا تبرز أهمية تسهيل حصول الشركات العاملة في العراق على أنظمة دفاع ضد الطائرات المسيّرة، إلى جانب تعزيز حماية المنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية، بما يحافظ على استقرار الإنتاج والصادرات.

كما أن نجاح بغداد في تأمين بيئة آمنة للاستثمار سيعزز فرص الشراكة مع السعودية، التي تنظر إلى العراق بوصفه أحد الأسواق الواعدة للاستثمار والتكامل الاقتصادي.

وتكشف التطورات الأخيرة أن مستقبل العلاقات العراقية-السعودية لن يتحدد فقط بحجم الاتفاقات الاقتصادية أو الزيارات الرسمية، بل بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها ومنع الجماعات المسلحة من رسم سياستها الخارجية بقوة السلاح.

فكلما نجحت بغداد في حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز التعاون الأمني مع الرياض، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار، تراجعت قدرة الميليشيات على استخدام التصعيد العسكري لإفشال التقارب العربي.

وبذلك، يصبح منع الميليشيات من تقويض العلاقات العراقية-السعودية مسؤولية مشتركة بين بغداد وواشنطن والرياض، لأن نجاح هذه الشراكة لا يخدم استقرار البلدين فحسب، بل ينعكس أيضاً على أمن الخليج وتوازنات المنطقة في مرحلة تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة.

اضف تعليقك