(عاد/ لبنان) متابعات:
في توقيت حسّاس تعيش فيه الدبلوماسية الإيرانية على وقع اختبارات قاسية، تبرز حالة من الارتباك والقلق الاستراتيجي في دوائر صنع القرار بطهران بعد توقيع السعودية وباكستان وتركيا لـ”اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، هذا التكتل الإقليمي الوازن الذي يضم ثلاثة من كبار الحلفاء ذوي الأغلبية السنية، وينص على اعتبار أي هجوم ضد أي منها هجوما ضد الجميع لتعزيز الردع الجماعي.
وفي محاولة واضحة لاحتواء تداعيات هذا الطوق الأمني الجديد وتجنب اتساع رقعة العزلة، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال حوار تلفزيوني بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لأدائه اليمين الدستورية (والتي نقلتها وكالة “مهر” الإيرانية)، لتعكس رغبة ملحة في مغازلة دول الجوار والتأكيد على “متانة” العلاقات معها، متجنبا أي تصعيد كلامي قد يعمق أزمة بلاده وسط تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط الغربية المستمرة.
حاول بزشكيان في حديثه رسم صورة صلبة لموقف حكومته في مواجهة ما وصفه بـ “الذروة في الضغوط والتحركات العدائية” مقارنة بالحكومات السابقة، قائلا إن “الضغوط الخارجية كانت موجودة دائماً وواجهتها جميع الحكومات السابقة، مستدركاً بأن هذه الضغوط والتحركات العدائية وصلت إلى ذروتها خلال فترة الحكومة الإيرانية الرابعة عشرة الحالية.
وأشار إلى أن “الأعداء كانوا يتوقعون سقوط الدولة بفعل الضغوط المكثفة والعقوبات الصارمة التي فرضت علينا”.
ولكن اللافت في رسائل الرئيس الإيراني هو التركيز المبالغ فيه على الملف الأمني والجغرافي مع دول الجوار، حيث أكد أن “علاقاتنا مع الجيران أفضل بكثير مما كانت عليه سابقاً، وهم يتعاونون معنا بشكل ممتاز. ومن ضمن الخطط التي كانت مرسومة خلال هذه الحرب والاضطرابات والتوترات، إشعال فوضى من شمال غرب البلاد وجنوبها الشرقي، حيث كان يُزعم أن أشخاصاً سيتسللون عبر الحدود لإثارة الاضطرابات. لكن دول المنطقة لم تسمح لأي كان بدخول أراضينا بسهولة وإشعال الفتن”.
وقال “هذا أمر بالغ الأهمية، أي أن جيراننا لم يسمحوا، فقط، لمجموعات بالتسلل إلى البلاد وإحداث الفوضى، بل إنهم قدّموا لنا المساعدة أيضاً. قد يبدو قول هذا سهلاً، لكن الوصول إلى هذا التفاهم والتضامن بين الجيران وداخلياً، بما أحبط جميع المخططات المرسومة، لم يكن بالأمر الهيّن”.
هذا الثناء المكثف على الجيران -رغم توقيع اتفاقيات دفاعية إقليمية كبرى مثل حلف مكة تستهدف تقويض النفوذ الإيراني- يفسره المراقبون على أنه محاولة إيرانية استباقية لتحييد المحيط الإقليمي ومنع انخراطه في أي معادلات ضغط عسكري أو أمني جديدة ضد طهران، خاصة في ظل الهشاشة الداخلية وحالة الانقسام بين مراكز القوى في البلاد.
في محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات الجيوسياسية والاختناقات الخارجية التي تعاني منها حكومته، تحول بزشكيان في حديثه إلى الشأن الداخلي، مستخدما تشبيها طبيا (باعتباره طبيبا) للحديث عن البنية التحتية والممرات الداخلية.
وقال إن “جسم الإنسان لا يعمل بشكل سليم دون أن تروي الشرايين أعضائه بالدم”، مؤكدا ضرورة تأمين شرايين البلاد عبر تعزيز شبكات السكك الحديدية وشبكات النقل الداخلي لربط العاصمة طهران بالمدن المجاورة (مثل إسلام شهر، وحي قدس، ورباط كريم، وشهريار).
إلا أن هذا التشتت في الخطاب الرئاسي -بين محاولة طمأنة الداخل عبر مشاريع قطارات ضواحي طهران، وبين الرسائل الدبلوماسية الموجهة للخارج بشأن أمن الحدود والتعاون الإقليمي- يكشف عمق المأزق الإيراني، فطهران التي تواجه تداعيات حرب استمرت خمسة أشهر، وحصارا بحريا، وتحالفات دفاعية جديدة تحيط بحدودها (كاتفاقية مكة)، تجد نفسها مجبرة على التهدئة وتقديم أوراق الشكر لجيرانها، في محاولة يائسة لمنع انهيار منظومتها الأمنية المتهالكة من الداخل والخارج على حد سواء.

























