انشغال السعودية وانقسام الشرعية… فرصة الحوثيين لإعادة رسم معادلة القوة في اليمن

2026/08/08م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

لا تبدو الهجمات الحوثية الأخيرة مجرد جولة جديدة من التصعيد العسكري، بل تكشف عن محاولة لاستثمار نقاط الضعف داخل معسكر الحكومة اليمنية، في وقت تنشغل فيه السعودية بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية والسياسية، في ظل اتساع التوتر الإقليمي وتعدد مصادر التهديد التي تستهدف أراضيها ومنشآتها وسفنها.

واستهدف طيران حوثي مسيّر، الجمعة، مطار عتق الدولي في محافظة شبوة شرقي اليمن، في هجوم يأتي وسط تصاعد ميداني شمل أيضا مأرب وحضرموت، وتجدد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وتكتسب هذه الهجمات أهمية تتجاوز أهدافها المباشرة، لأنها تختبر قدرة القوات الحكومية وحلفائها المحليين على التعامل مع الحوثيين من دون الاعتماد الكامل على الدعم العسكري السعودي، وتكشف في الوقت نفسه حجم الفجوة في القدرات بين الطرفين.

ويمتلك الحوثيون أفضلية واضحة في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وهي أسلحة تمنحهم قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة وفرض معادلة ردع لا تتناسب مع حجم الموارد التقليدية التي يمتلكها معسكر الحكومة. وفي المقابل، ما تزال القوات المناهضة للحوثيين تعاني من تعدد مراكز القرار العسكري والسياسي وتباين الأولويات بين مكوناتها.

ويبرز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أكثر الأطراف تنظيما وتسليحا وتعبئة داخل معسكر الشرعية، لكن العلاقة بينه وبين الحكومة لا تزال محكومة بالتنافس على النفوذ ومستقبل الدولة وشكلها السياسي. وتزداد التعقيدات مع استمرار الخلافات حول قضية الأقاليم وتقاسم الموارد، خصوصا النفط والغاز، حيث تنظر قوى محلية وقبلية إلى السيطرة على الموارد باعتبارها عنصرا أساسيا في تعزيز موقعها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وهكذا، لا يواجه الحوثيون جبهة موحدة بالمعنى العسكري والسياسي، بل شبكة من القوى التي تتفق على رفض سيطرتهم على البلاد، لكنها تختلف حول شكل الدولة المقبلة وموازين السلطة والثروة داخلها. وهذه المساحة من التنافس تمنح الحوثيين فرصة للمناورة، سواء عبر العمل العسكري أو الحرب الدعائية التي تستهدف إظهار خصومهم باعتبارهم عاجزين عن حماية مناطقهم.

ويبدو أن انشغال السعودية بالتحديات الإقليمية يوفر للحوثيين فرصة إضافية لاختبار هذه المعادلة. فالرياض تواجه في الوقت نفسه تهديدات مرتبطة بالملاحة والمنشآت النفطية، وتعمل على تطوير ترتيبات دفاعية وسياسية جديدة لحماية مصالحها، بينما تبقى المواجهة مع إيران أحد عناصر المشهد الإقليمي الأوسع.

ومن منظور الحوثيين، قد يكون الضغط على حلفاء السعودية داخل اليمن وسيلة لإعادة توجيه جزء من الاهتمام السعودي نحو الجبهة اليمنية، أو على الأقل لإظهار أن أي ترتيبات أمنية إقليمية لا يمكن أن تتجاهل قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر والحدود الجنوبية للمملكة.

كلما بدت الحكومة اليمنية عاجزة عن الرد بقدراتها الذاتية، ارتفعت قدرة الحوثيين على فرض شروطهم في أي تسوية مقبلة

لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى الحكومة اليمنية تكمن في محدودية قدرتها على الرد بصورة مستقلة. فاعتمادها على الطيران السعودي في تنفيذ جزء مهم من الضربات، وعلى منظومات الدفاع السعودية في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة، يجعل صورتها العسكرية أكثر هشاشة، ويعزز رواية الحوثيين بأن الحكومة لا تستطيع إدارة المعركة من دون دعم خارجي.

ولا يعني ذلك أن القوات الحكومية تفتقر بالكامل إلى القدرة القتالية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت تستطيع الانتقال من موقع الطرف الذي يعتمد على الدعم الخارجي إلى قوة قادرة على المبادرة العسكرية وحماية المناطق الخاضعة لسيطرتها بقدراتها الذاتية.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع استمرار التوتر بين مكونات المعسكر المناهض للحوثيين. فكل ضربة حوثية ناجحة لا تلحق أضرارا مادية فحسب، بل تحمل أيضا رسالة سياسية إلى السكان والأطراف الإقليمية مفادها أن الحوثيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى أهداف حساسة، وأن تجاوزهم في أي تسوية سياسية سيكون أمرا بالغ الصعوبة.

وحذر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الجمعة، من خطر عودة البلاد إلى صراع واسع النطاق لم تشهده منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022. وقال إن الهجمات الأخيرة في مأرب وحضرموت، وتجدد استهداف السفن التجارية، إلى جانب الضربات التي طالت بنية تحتية مدنية، بينها مطارات، تمثل مؤشرات خطيرة على تصاعد النزاع.

ولا تبدو مخاوف الأمم المتحدة منفصلة عن التحولات الإقليمية. فكلما اتسعت دائرة المواجهة في البحر الأحمر أو بين إيران وخصومها، يصبح اليمن أكثر عرضة للتحول من ساحة نزاع داخلي إلى إحدى جبهات الصراع الإقليمي.

وهنا تكمن المفارقة: قد يستفيد الحوثيون من الانقسام داخل معسكر خصومهم، لكن استمرار التصعيد قد يضر بهم أيضا إذا أدى إلى إعادة توحيد القوى المناهضة لهم أو دفع الأطراف الإقليمية إلى زيادة تدخلها العسكري. ولذلك فإن هدفهم قد لا يكون بالضرورة العودة الفورية إلى حرب شاملة، وإنما تحسين موقعهم التفاوضي عبر إبقاء خصومهم تحت ضغط مستمر وإثبات قدرتهم على فرض كلفة أمنية واقتصادية عليهم.

المعضلة أن هذه الاستراتيجية قد تدفع اليمن تدريجيا إلى مربع الحرب المفتوحة، في وقت لا يبدو فيه أي طرف قادرا على حسمها بسهولة. وإذا استمرت الهجمات المتبادلة وتوسعت إلى البحر الأحمر والمنشآت الحيوية والمطارات، فقد يصبح من الصعب الفصل بين الحرب اليمنية والتوتر الإقليمي الأوسع.

وفي هذه الحالة، لن يكون التحدي أمام الحكومة اليمنية عسكريا فقط، بل سيصبح سياسيا أيضا: هل تستطيع مكوناتها تجاوز خلافاتها وبناء قيادة عسكرية أكثر تماسكا، أم يواصل كل طرف حماية مصالحه الخاصة بينما يستثمر الحوثيون هذا الانقسام لتعزيز موقعهم؟

ولا تحدد الإجابة عن هذا السؤال مسار المواجهة المقبلة فقط، وإنما شكل أي تسوية سياسية محتملة. فكلما أثبت الحوثيون قدرتهم على إرباك خصومهم عسكريا، ازدادت قدرتهم على فرض شروطهم سياسيا. أما إذا نجحت الحكومة وحلفاؤها في بناء قدرات مستقلة وتنسيق أكثر تماسكا، فقد تتغير معادلة القوة تدريجيا.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى التحذير الأممي الأكثر أهمية: المسار الدبلوماسي لا يزال متاحا، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية. وكل تأخير في استعادة هذا المسار قد يمنح الحوثيين وخصومهم على السواء أسبابا جديدة لتوسيع المواجهة، بما يجعل اليمن مرة أخرى ساحة لحرب إقليمية مفتوحة يصعب التنبؤ بنهاياتها.

اضف تعليقك