من الآخر..

كاتب المقال:

لم تكن المشاهدُ الأخيرة التي تداولتها وسائلُ الإعلام ومنصاتُ التواصل الاجتماعي مجردَ مقاطع مصورة تمرُّ مرور الكرام، بل كانت سكينًا ينغرسُ في الوجدان الوطني العام.. أربعٌ وعشرون ساعةً مرت ثقيلةً كئيبة، موجعة ، خيَّم فيها الحزنُ في كل أرجاء البلاد ، وخاصة بيوت المغدور بهم ، الذين تابعوا استباحة أرواح أبنائهم البررة في ثغورهم، وسفكَ دمائهم الزكية وهم مرابطون في مواقعهم بصحارى حضرموت ومأرب.

إنَّ حجم الفاجعة التي حملتها تلك التسجيلات لا يكمنُ فقط في غدر الجريمة وقسوة المشهد، بل في تكرار هذا الاستهداف المباشر لأبطال المؤسسة العسكرية في أقدس مهامهم الوطنية ، أولئك المرابطون الذين تحمّلوا قسوة الطبيعة وجفاف الصحراء، لم يكونوا يتوقعون أن تصبح معسكراتهم صيدًا سهلًا ليدِ الغدر والإثم التي أراقت دماءهم بدمٍ بارد.

ومع كبر المصاب، تطلعت أبصارُ المواطنين وأفئدتهم نحو «قيادة الشرعية»، أملًا في موقفٍ يوازي حجم الجرم، وحزمٍ يستعيد للمؤسسة العسكرية هيبتها، ويحقق العدالة للشهداء المغدورين وعشرات المصابين.. غير أنَّ الخيبة كانت بحجم الصدمة؛ إذ اكتفت السلطةُ وملاحقها السياسية بالمسار الأسهل والأقل كلفة: بيانات التنديد، وتصريحات الاستنكار، والتهديدات التي لا تتجاوز حدود طاولات الاجتماعات.

إنَّ الاكتفاء بالشجب الشكلي والبيانات الرسمية أمام استباحة الدماء يمثّل تخليًا عن المسؤولية الأخلاقية والقانونية والوطنية؛ فالدماءُ التي أُريقت في صحارى حضرموت ومأرب لا تجففها الحبرُ والمواقف الصورية، ولا تعوّضها الجملُ الإنشائية.. كما أنَّ عجز السلطة عن حماية منتسبيها وقطع دابر هذا الاستهداف المستمر، يجرّد الدولة من وظيفتها الأساسية بوصفها الضامن الأول لأمن مواطنيها ومؤسساتها.

ومن الآخر..

لقد آن الأوان لمن يتولون زمام المسؤولية أن يدركوا أنَّ للشعوب طاقةً على الاحتمال، وأن للدماء حرمةً ومسؤوليةً قانونية لا تصونها سوى القرارات الجريئة الشجاعة ، والتحركات الميدانية الحاسمة.. أما الرهان على عامل الوقت لنسيان الفاجعة، فلن ينتج عنه سوى مزيدٍ من تآكل الثقة للشرعية، وسيدوّن التاريخ بمرارة كيف غدت دماء الأبطال حبرًا على ورق التنديد، وكيف غابت العدالة أمام صمت السلطة وعجز إجراءاتها.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك