(عاد/ الرياض) متابعات:
لم يعد خافياً أن مرحلة التهدئة التي سادت في اليمن قد تراجعت لصالح مواجهات متقطعة، إذ أعلن الجيش اليمني، اليوم السبت، عن تنفيذ عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد ميليشيات الحوثي في عدة محاور على طول خطوط التماس، ليؤكد أن قواعد الاشتباك ميدانيا قد تغيرت جذريا، وانتقلت من إطار الخروقات التكتيكية المحدودة إلى استراتيجية اشتباك شاملة تعيد رسم ملامح المواجهة في شرق ووسط البلاد.
جاء هذا التحول العسكري الحاسم ردا مباشرا على ما وصفته القيادة العسكرية بـ”الاعتداءات السافرة” التي نفذتها جماعة الحوثي المدعومة من النظام الإيراني في محافظتي مأرب وحضرموت.
فخلال الساعات السابقة للبيان العسكري، تعرضت أحياء سكنية ومخيمات للنازحين في مأرب وضواحيها لهجمات إرهابية استُخدمت فيها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة المفخخة.
ورغم تمكن الدفاعات الجوية للجيش اليمني من إحباط واعتراض عدد من تلك المسيرات قبل بلوغ أهدافها، إلا أن تكرار استهداف المدنيين والمنشآت المدنية شكل النقطة التي فاضت بها الكأس، ودفعت المؤسسة العسكرية إلى مغادرة مربع الصبر الاستراتيجي والانتقال إلى الرد الحازم.
وفي بيان متلفز بثته قناة “اليمن” الفضائية الحكومية، أعلن المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، أن قوات الجيش نفذت عملا عسكريا موجها ضد مواقع وقدرات الميليشيات في عدة محاور، مشيرا إلى أن التصعيد الحوثي الأخير أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المسلحة والمدنيين الأبرياء على حد سواء.
وتشهد عدة جبهات منذ مطلع يوليو الماضي مواجهات متقطعة بين القوات الحكومية والحوثيين، بعد تهدئة نسبية سادت منذ أبريل 2022.
القوات المسلحة لن تتهاون أبدا في حماية المواطنين الأبرياء والدفاع عن مواقعها، وهي ماضية في التعامل مع أي اعتداء بإجراءات عسكرية حازمة تفرض معادلات ردع جديدة
حمل البيان العسكري في طياته دلالات استراتيجية وعميقة تتجاوز تفاصيل الرد الميداني الآني، فقد حرصت المؤسسة العسكرية على التأكيد على مبدأ “وحدة القيادة والسيطرة”، ملوّحة برسالة واضحة مفادها أن الاعتداء على أي جبهة أو محور يُعد بمثابة اعتداء مباشر على كافة الجبهات والمحاور التابعة للقوات المسلحة.
يعكس هذا التأكيد رغبة مؤسسية راسخة في قطع الطريق أمام محاولات الحوثيين المعتادة لتهشيم الجبهة الداخلية وتشتيت الجهود العسكرية عبر ضربات متفرقة ولامتمركزة.
كما حمّل الجيش اليمني جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الخطير، مشددا على أن القوات المسلحة لن تتهاون أبدا في حماية المواطنين الأبرياء والدفاع عن مواقعها، وأنها ماضية في التعامل مع أي اعتداء جديد بإجراءات عسكرية حازمة وصارمة استنادا إلى توجيهات القيادة السياسية والعسكرية ومقتضيات الموقف العملياتي على الأرض.
ولم يغفل البيان الجانب الوطني والشعبي، إذ وجّه نداء إلى المواطنين وقبائل اليمن الأحرار بضرورة مساندة القوات المسلحة والوقوف صفا واحدا إلى جانب الحكومة الشرعية لاستعادة مؤسسات الدولة ودحر المشروع الانقلابي.
يؤكد استمرار الحوثيين في استهداف مخيمات النازحين والأحياء المأهولة بالسكان في مأرب اعتماد الجماعة المنهجي على “الورقة الإنسانية” كوسيلة ضغط ومساومة سياسية، متجاهلة كافة النداءات الدولية والإقليمية الداعية إلى احترام حرمة المدنيين في زمن الحرب.
غير أن هذا التصعيد أتى بنتيجة عكسية، فهو لم يزد الجبهة الداخلية إلا تماسكا، ووضع القبائل والمجتمع المحلي أمام حتمية الاصطفاف خلف الجيش الوطني لحماية مناطقهم من عبث الميليشيات.
وما يجري اليوم على خطوط التماس في مأرب وحضرموت يمثل اختبارا حقيقيا لمستقبل التسويات في اليمن، إذ تتهاوى رويدا رويدا تفاهمات الأعوام الأربعة الماضية التي اتسمت بالجمود والهشاشة، لتفسح المجال أمام واقع ميداني جديد يفرض فيه الجيش اليمني حضوره بقوة السلاح لحماية المواطنين وفرض معادلات ردع جديدة تكبح جماح العدوان الحوثي المستمر، وتؤكد أن السلام المنشود لا يمكن أن يتحقق إلا من موقع القوة والجاهزية الدائمة.

























