من اليمن إلى الصومال: كيف تتشكل شراكة بين الحوثيين وحركة الشباب؟

2026/06/16م

(عاد/ روسيا) متابعات:

على مدى سنوات، ظلت العلاقة بين جماعة الحوثي في اليمن وحركة الشباب الصومالية تُعامل بوصفها ملفاً هامشياً مقارنة بالصراعات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط، سواء في غزة أو لبنان أو البحر الأحمر. غير أن التحولات التي طرأت على البيئة الإقليمية خلال العامين الأخيرين، ولاسيما الضغوط المتزايدة التي تعرضت لها إيران وشبكة حلفائها، دفعت هذه العلاقة إلى واجهة الاهتمام الأمني والإستراتيجي.

ولم تعد المؤشرات المتزايدة على تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب تُقرأ باعتبارها مجرد تواصل بين جماعتين مسلحتين، بل بوصفها جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لشبكات النفوذ والتحالفات في المنطقة الممتدة من اليمن إلى القرن الأفريقي.

ويأتي هذا التقارب في وقت يواجه فيه الحوثيون تحديات جديدة تتعلق بمستقبل علاقتهم مع إيران، التي شكلت لعقود الداعم الرئيسي للجماعة سياسيا وعسكريا.

ومع تعرض طهران لضغوط عسكرية واقتصادية متزايدة، وتراجع قدرة بعض أذرعها الإقليمية على أداء أدوارها التقليدية، بدأ الحوثيون في البحث عن مساحات أوسع للحركة وعن شركاء جدد يتيحون لهم تعزيز نفوذهم وتقليل اعتمادهم على المظلة الإيرانية.

بدلاً من الاعتماد الكامل على الدعم الإيراني، قد تتجه بعض هذه الجماعات إلى بناء شبكاتها الخاصة للتمويل والتسليح والتحالفات، بما يمنحها هامشاً أكبر من الاستقلالية

وتشير تقارير دولية متزايدة إلى أن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب تجاوزت مرحلة الاتصالات المحدودة أو المصالح الظرفية.

ووفق معطيات نقلتها مصادر أممية، شهدت الأشهر الأخيرة انتقال مقاتلين من حركة الشباب إلى مناطق يمنية، خصوصاً في محافظتي شبوة ومأرب، حيث يعتقد أنهم شاركوا في شبكات تهريب عابرة للحدود تشمل الأسلحة والمخدرات والبضائع غير المشروعة.

كما تحدثت تقارير عن وجود عناصر حوثية داخل الصومال لتقديم تدريبات تتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة والمتفجرات وأساليب الحرب غير النظامية.

ويعكس هذا التطور طبيعة المصالح المتبادلة بين الطرفين. فالخليج الفاصل بين اليمن والصومال لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى فضاء إستراتيجي تتقاطع فيه شبكات التهريب والنشاطات المسلحة والمنافسة على النفوذ البحري.

ومن هذه الزاوية، يجد الحوثيون في الصومال عمقاً إضافياً يسمح لهم بتوسيع حضورهم في خليج عدن وعلى طول السواحل المطلة على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وبالنسبة للحوثيين، لا يقتصر الأمر على بناء علاقة مع حركة الشباب وحدها، بل يتصل بإعادة صياغة موقعهم الإقليمي. فالجماعة التي نجحت خلال السنوات الماضية في فرض نفسها لاعباً مؤثراً في معادلة البحر الأحمر، باتت تدرك أن استمرار نفوذها يتطلب تنويع مصادر القوة والدعم.

ومن هنا تبدو الشراكة مع الفاعلين المسلحين وشبكات التهريب في القرن الأفريقي وسيلة لتوسيع نطاق الحركة بعيداً عن الاعتماد الحصري على إيران.

وقد ساهمت التطورات الإقليمية الأخيرة في تعزيز هذا التوجه. فالتراجع الذي أصاب بعض مكونات ما يعرف بـ”محور المقاومة”، سواء نتيجة الضغوط العسكرية أو التحولات السياسية، دفع عدداً من الجماعات المرتبطة بإيران إلى إعادة تقييم خياراتها.

وفي هذا السياق، يظهر الحوثيون بوصفهم أحد الأطراف القليلة التي احتفظت ببنية قيادية متماسكة وقدرات عملياتية فعالة، رغم الضربات التي تعرضوا لها من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.

ومنح هذا الواقع الجماعة مساحة أكبر للمناورة. فبدلاً من الاكتفاء بدور الوكيل الإقليمي لإيران، بدأت تتصرف بصورة متزايدة كفاعل مستقل يمتلك أجندته الخاصة وحساباته الذاتية.

ويمكن قراءة الانفتاح على حركة الشباب ضمن هذا الإطار، باعتباره محاولة لبناء شبكة علاقات جديدة تتجاوز الحدود التقليدية لمحور إيران.

وفي المقابل، تمتلك حركة الشباب أسبابها الخاصة للانفتاح على الحوثيين. فالحركة التي تخوض منذ سنوات مواجهة مع الحكومة الصومالية والقوات الدولية تبحث باستمرار عن مصادر جديدة للتسليح والخبرة التقنية.

وتوفر العلاقة مع الحوثيين فرصة للوصول إلى تقنيات عسكرية أكثر تطوراً، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة والقدرات البحرية التي أثبت الحوثيون فاعلية متزايدة في استخدامها.

ولا تقتصر تداعيات هذه العلاقة على الطرفين فقط. فالتقارب بين الحوثيين وحركة الشباب يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.

ومنذ أواخر عام 2023، أظهرت هجمات الحوثيين قدرة واضحة على تعطيل حركة الملاحة الدولية وإجبار شركات شحن كبرى على تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر.

التحولات الإقليمية، ولاسيما الضغوط المتزايدة التي تعرضت لها إيران، دفعت العلاقة بين الحوثيين و”الشباب” إلى الواجهة

وإذا ما ترافق ذلك مع توسع التعاون مع جماعات مسلحة وشبكات تهريب في القرن الأفريقي، فإن التهديدات قد تتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً.

وتكمن الخطورة في أن المنطقة قد تشهد تداخل أدوار بين جماعات مسلحة وتنظيمات متشددة وشبكات إجرامية، بما يجعل من الصعب احتواء المخاطر عبر الوسائل التقليدية.

وبدلاً من مواجهة جهة واحدة أو تنظيم محدد، قد تجد القوى الدولية نفسها أمام منظومة مرنة ومتعددة الأطراف قادرة على التكيف مع الضغوط وتغيير أساليب عملها باستمرار.

كما أن هذا التحول يحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر. فالعلاقة المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب قد تكون مؤشراً على تغير أوسع في طبيعة الجماعات المرتبطة تاريخياً بإيران.

وبدلاً من الاعتماد الكامل على الدعم الإيراني، قد تتجه بعض هذه الجماعات إلى بناء شبكاتها الخاصة للتمويل والتسليح والتحالفات، بما يمنحها هامشاً أكبر من الاستقلالية.

ومن منظور إستراتيجي، فإن هذا الاحتمال قد يطرح تحديات جديدة أمام الدول التي راهنت على أن الضغط على إيران سيؤدي تلقائياً إلى إضعاف نفوذ حلفائها. فالتجربة الحالية توحي بأن بعض هذه الجماعات قد تلجأ إلى التكيف مع الواقع الجديد عبر إقامة شراكات بديلة والانخراط في ترتيبات أكثر براغماتية، حتى لو جمعتها روابط محدودة أو غير تقليدية مع أطراف أخرى.

وفي حالة الحوثيين، تبدو هذه البراغماتية واضحة بشكل متزايد. فالجماعة لم تعد تكتفي بعلاقاتها التقليدية، بل تسعى إلى توسيع نطاق تواصلها مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، في محاولة لترسيخ نفسها لاعباً مستقلاً في المعادلات الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التقارب مع حركة الشباب كجزء من إستراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتوسيع خيارات الحركة في مواجهة الضغوط المتزايدة.

اضف تعليقك