(عاد/ واشنطن) متابعات:
تتسارع وتيرة انتشار أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل والمنشآت في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في تحول لافت يعكس قدرة المجتمع على التكيّف مع بيئة معيشية تزداد صعوبة.
وتتعمق أزمة الكهرباء في المدينة الساحلية التي أنهكتها سنوات الحرب وتدهور الخدمات، لتصبح أحد أبرز ملامح الحياة اليومية، مع انقطاعات طويلة تدفع السكان إلى البحث عن حلول بديلة خارج الشبكة الحكومية.
وبينما تتزايد ساعات انقطاع التيار الكهربائي بالمدينة تتسع بشكل لافت رقعة ألواح الطاقة الشمسية الزرقاء الساطعة فوق أسطح المنازل، مما يعكس تحولا ملموسا في نمط حياة السكان.
ووجد سكان عدن في هذا النوع من الطاقة بديلا عمليا لمشاكلهم المعيشية المتفاقمة في هذا البلد الغارق في الفقر منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل نحو 11 عاما.
ومع تقادم البنية التحتية وتزايد الطلب على الكهرباء ونقص الوقود اللازم لتشغيل المحطات التقليدية، أصبحت الطاقة الشمسية خيارا أقرب إلى الضرورة منه إلى الرفاهية للأفراد والشركات والأنشطة التجارية، بما في ذلك الفنادق والمستشفيات.
وأسهم ذلك في نمو سريع لهذا القطاع خلال السنوات الخمس الماضية، خاصة مع عدم اشتراط الحصول على موافقات حكومية لتركيب هذه الأنظمة، باستثناء توفير كلفتها.
ويقول سكان في عدن لرويترز إن ساعات الانقطاع وصلت إلى 18 ساعة يوميا مقارنة مع ست ساعات في الأسبوعين الماضيين.
والصين هي أكبر الدول المصدرة للألواح ومكونات أنظمة الطاقة الشمسية، بفضل أسعارها التنافسية، تليها دول أخرى في تصدير الملحقات والبطاريات، من أبرزها الهند.
وقال محمد خالد عبدالكريم، وهو تاجر في مجال أنظمة الطاقة الشمسية، لرويترز إن “الطلب على هذه الأنظمة يشهد نموا مطردا، ليس فقط داخل عدن، بل في مختلف المحافظات، مدفوعا بارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود”.
وأوضح أن السوق اليمنية وخاصة منذ العام الماضي “بدأت التحول نحو استخدام بطاريات الليثيوم الصينية مع ملحقاتها، خاصة في عدن والمناطق الساحلية، لما توفره من كفاءة أعلى لفترة طويلة رغم ارتفاع كلفتها”.
وأضاف “تتيح هذه الأنظمة تشغيل أجهزة مثل المكيفات والثلاجات، على عكس بطاريات الجل منخفضة الكلفة التي كانت تلبي احتياجات محدودة مثل الإضاءة وتشغيل المراوح”.
وتتراوح كلفة أنظمة الطاقة الشمسية المعتمدة على بطاريات الليثيوم ما بين 500 وألف دولار للحلول المنزلية الصغيرة، وترتفع إلى ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار للأنظمة المتوسطة.
في المقابل تبدأ كلفة الأنظمة الأكبر المخصصة للمؤسسات والشركات والمصانع والفنادق من نحو 100 ألف دولار وقد تصل إلى 300 ألف دولار.
واضطر الموظف الحكومي الستيني خالد محمد ناجي من عدن إلى شراء نظام طاقة شمسية بعد اللجوء إلى قرض مصرفي لتغطية الكلفة وسدادها على أقساط من راتبه، بسبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
من جانبها ذكرت انتصار أحمد محمد، وهي معلمة، أنها اضطرت إلى بيع مصوغات ذهبية لشراء مكيف يعمل بالطاقة الشمسية.
لكن محمود شاكر، المدير التنفيذي لشركة بترو ساوث المتخصصة في تركيب منظومة الطاقة الشمسية، ومقرها عدن، يرى أن هذا التوجه الفردي رغم أهميته يظل حلا جزئيا، مشيرا إلى أن الحل الجذري يكمن في “رفع كفاءة المنظومة عبر الشفافية المالية”.
وقال إن “إدخال أنظمة القياس الذكي وعدادات الدفع المسبق يمثل خطوة أساسية لتحويل قطاع الكهرباء إلى قطاع منتج ومستدام”.
وتشير تقارير رسمية إلى أن الحكومة تنفق ما يعادل 1.2 مليار دولار سنويا بواقع 100 مليون دولار شهريا لتوفير الوقود واستئجار محطات توليد الكهرباء، لكن الإيرادات لا تغطي التكاليف إذ تصل إلى 50 مليون دولار فقط.
وقال المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية فارس النجار إن “الانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي منذ سنوات، خاصة في عدن والمحافظات الجنوبية، دفعت شريحة كبيرة من اليمنيين إلى الانتقال خارج المنظومة الحكومية واستخدام الطاقة الشمسية”.
وأكد لرويترز أن الكثير من الأسر اتجهت إلى الاقتراض واستخدام مدخراتها من أجل شراء هذه المنظومات باعتبارها الوسيلة المتاحة لتوفير الطاقة المستمرة.
وأوضح النجار أن هذه الأزمة، رغم حدتها، كشفت عن فرصة إستراتيجية أمام اليمن الذي يتمتع بمعدلات إشعاع شمسي مرتفعة، ولديه إمكانات واعدة في ما يتعلق بطاقة الرياح، لاسيما في المناطق الساحلية الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.
وأشار إلى أن ثمة إمكانات مستقبلية في ما يخص الطاقة الكهرومائية والسدود في المناطق المرتفعة، إضافة إلى تحلية المياه المرتبطة بالطاقة المتجددة.
وذكر أن هذه الفرص يمكن الاعتماد عليها مستقبلا بشكل كبير لمعالجة مشكلة الكهرباء من خلال الطاقة المتجددة النظيفة.
وشدد على أن هذا المزيج من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتقنية التخزين والطاقة الكهرومائية يتطلب استثمارات ضخمة تقدر بما بين ثلاثة إلى خمسة مليارات دولار حتى عام 2030 للوصول إلى قدرة إنتاجية تقارب ألفي ميغاواط.
وقال “هذا يسهم في تحقيق استقرار الإمدادات الكهربائية ليس في عدن وحدها، بل في المحافظات الرئيسية بجنوب وشرق اليمن”.
وكان صندوق النقد الدولي قد دعا مؤخرا الحكومة اليمنية إلى ضرورة التركيز على إصلاح قطاع الكهرباء، بما في ذلك بناء الطاقة المتجددة، وتطوير شبكة النقل والتوزيع، ليتسنى تعزيز توفير الكهرباء، وتحسين آليات تقديم الخدمة.
وقال عدنان الكاف وزير الكهرباء والطاقة اليمني لرويترز إن حكومة بلاده “عقدت العزم على اعتماد إمدادات الطاقة المتجددة والنظيفة كحل لأزمة قطاع الطاقة المستعصية في اليمن”.
ولفت إلى أن ذلك سيتم من خلال إشراك القطاع الخاص في الاستثمار لأول مرة في مشاريع توسعة محطات الطاقة المتجددة بشكل كبير، موضحا أن الوزارة أعدت خطة في هذا الجانب.
وأضاف أنه “ستتم توسعة محطة الطاقة الشمسية بعدن بقدرة 120 ميغاواط حاليا، إلى 200 ميغاواط خلال هذا العام، إلى أن تصل ما بين 650 و700 ميغاواط عبر إشراك القطاع الخاص”.
وأكد أن الحكومة تشجع القطاع الخاص والمصانع والمنازل على استخدام الطاقة الشمسية والتحرر من استخدام الديزل لتخفيف الأعباء عن الدولة في ظل استمرار التوترات الإقليمية، وأزمة الوقود الناجمة عنها.

























