(عاد/ واشنطن) متابعات:
في موقف يعكس تشددًا متزايدًا في مقاربة البيت الأبيض للملف الإيراني، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثلاثاء أن الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها المواطنون داخل الولايات المتحدة لا تشكل عاملاً مؤثراً في عملية اتخاذ القرار، في ظل سعي إدارته إلى التوصل إلى صيغة تنهي الصراع مع إيران وتمنعها من امتلاك سلاح نووي.
وجاءت تصريحات ترامب خلال حديثه مع الصحفيين قبل مغادرته إلى الصين، حيث شدد على أن البعد الاقتصادي الداخلي، بما في ذلك ارتفاع تكاليف المعيشة وضغوط التضخم، لا يدخل ضمن حساباته عند التعامل مع الملف الإيراني، قائلاً إن الأولوية القصوى بالنسبة له تتمثل حصراً في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، مضيفاً بلهجة حاسمة أنه “لا يفكر في الوضع المالي للأميركيين” عند اتخاذ قراراته في هذا السياق.
ويعكس هذا الموقف بوضوح تبني الإدارة الأميركية مقاربة أمنية صِرفة في التعامل مع إيران، تقوم على تقديم ملف منع الانتشار النووي على أي اعتبارات داخلية أخرى، بما في ذلك التحديات الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
ويبدو أن ترامب يسعى إلى ترسيخ سردية سياسية مفادها أن التهديد النووي الإيراني يتجاوز في خطورته أي تكلفة اقتصادية محتملة على الداخل الأميركي.
لكن هذه التصريحات لم تمر دون إثارة جدل واسع داخل الأوساط السياسية الأميركية، إذ من المتوقع أن تواجه انتقادات من معارضي الإدارة الذين يرون أن تجاهل التداعيات الاقتصادية للسياسات الخارجية، خاصة في ظل تصاعد كلفة المعيشة، قد يشكل عبئاً سياسياً على الحكومة في المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر، حيث يُعد ملف التضخم وتكاليف الحياة أحد أبرز القضايا المؤثرة على الناخبين.
وفي هذا السياق، أشار مدير الاتصالات في البيت الأبيض ستيفن تشيونج إلى أن المسؤولية الأساسية للرئيس تتمثل في ضمان أمن وسلامة الأميركيين، مؤكداً أن امتلاك إيران لسلاح نووي يمثل تهديداً مباشراً لا يمكن القبول به، وأن عدم التحرك لمنع ذلك سيعرض الأمن القومي الأميركي لمخاطر كبيرة.
ويعكس هذا التوضيح محاولة الإدارة التوازن بين الانتقادات الداخلية وبين تثبيت أولوية الملف الإيراني في أجندة السياسة الخارجية.
وفي المقابل، تتزايد الضغوط السياسية على ترامب من داخل حزبه الجمهوري أيضاً، حيث يخشى بعض القيادات من أن يؤدي استمرار التوترات أو أي تصعيد عسكري محتمل مع إيران إلى تداعيات اقتصادية داخلية، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد معدلات التضخم.
وترتبط هذه المخاوف بشكل مباشر بإمكانية انعكاس الصراع الخارجي على المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة، وهو ما قد يؤثر على فرص الحزب في الحفاظ على أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ.
وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن الولايات المتحدة شهدت في أبريل الماضي أكبر ارتفاع في تضخم أسعار المستهلكين منذ ثلاث سنوات، مدفوعاً بشكل جزئي بارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وهي عوامل ترتبط في جانب منها بالتوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الصراع مع إيران.
الإدارة الأميركية تتبنى رؤية تعتبر أن المخاطر الناجمة عن امتلاك إيران لسلاح نووي تفوق بكثير أي كلفة اقتصادية قصيرة الأمد قد يتحملها الداخل الأميركي.
ويعزز هذا الربط بين السياسة الخارجية والاقتصاد الداخلي من حدة النقاش داخل واشنطن حول أولويات الإدارة.
ورغم ذلك، يواصل ترامب تقديم نهجه باعتباره خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالأمن القومي العالمي، مؤكداً أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل الهدف الوحيد الذي يوجه سياساته في هذا الملف.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تتبنى رؤية تعتبر أن المخاطر الناجمة عن امتلاك إيران لسلاح نووي تفوق بكثير أي كلفة اقتصادية قصيرة الأمد قد يتحملها الداخل الأميركي.
وفي المقابل، تسعى الإدارة إلى تأطير هذا الموقف ضمن خطاب أوسع يربط بين الأمن الداخلي الأميركي والاستقرار العالمي، حيث يرى البيت الأبيض أن السماح لإيران بامتلاك قدرات نووية سيؤدي إلى تهديد مباشر ليس فقط لحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، بل أيضاً للأمن القومي الأميركي نفسه، ما يبرر أولوية هذا الملف على غيره.
وعلى صعيد آخر، تشير تقييمات استخباراتية أميركية إلى أن التقدم في البرنامج النووي الإيراني لم يشهد تغيراً كبيراً في الجدول الزمني للوصول إلى القدرة النووية المحتملة، حيث تفيد التقديرات بأن إيران قد تحتاج ما بين تسعة أشهر وسنة واحدة للوصول إلى القدرة التقنية اللازمة لصناعة سلاح نووي، في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك.
وتأتي هذه التقديرات رغم مرور أكثر من شهرين على اندلاع الحرب والتصعيد العسكري في المنطقة.
وتعكس هذه المعطيات قناعة متزايدة داخل دوائر صنع القرار الأميركية بأن الضربات العسكرية، رغم تأثيرها، لم تنجح في إحداث تغيير جذري في مسار البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعيد طرح الأسئلة حول فعالية الخيارات العسكرية في احتواء التهديد الإيراني على المدى الطويل.
وفي المقابل، تؤكد إيران أنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، وأن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية بحتة، إلا أن القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تزال تنظر إلى هذا البرنامج بعين الريبة، معتبرة أنه قد يتضمن أبعاداً عسكرية غير معلنة.
وبين هذا التباين في المواقف، يتضح أن الملف الإيراني لا يزال يشكل أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية تعقيداً، ليس فقط بسبب أبعاده الأمنية والعسكرية، بل أيضاً بسبب تشابكه المتزايد مع الداخل الأميركي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن القومي مع ضغوط الاقتصاد والسياسة الداخلية والانتخابات المقبلة.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن إدارة ترامب ماضية في تثبيت معادلة واضحة تقوم على أولوية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، حتى وإن جاء ذلك على حساب اعتبارات اقتصادية داخلية حساسة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى تصعيد سياسي واقتصادي داخل الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة.
























