هل يمكن لميزانية دولة بوساطة أميركية أن تسهم في توحيد ليبيا؟

2026/05/13م

(عاد/ لندن) متابعات:

أعاد الاتفاق على أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تقترب فعلا من مرحلة استقرار سياسي واقتصادي، أم أن الأمر لا يتجاوز مجرد تفاهم مالي مؤقت بين سلطتين متنافستين تسعيان إلى إدارة الأزمة لا حلّها.

ففي بلد يعيش انقساما مؤسسيا حادا منذ عام 2014 بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، بدا الإعلان عن ميزانية موحدة خطوة لافتة، خاصة أنها جاءت بعد سنوات من الفوضى المالية والتوسع غير المنضبط في الإنفاق العام واستنزاف عائدات النفط.

لكن خلف الخطاب المتفائل الذي رافق الاتفاق، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، إذ يرى مراقبون أن ما تحقق حتى الآن لا يمثل اختراقا سياسيا حقيقيا بقدر ما يعكس محاولة أميركية لإدارة التوازنات بين مراكز القوى الليبية، وضبط الإنفاق بما يضمن استمرار تدفق النفط وحماية المصالح الاقتصادية الغربية.

وفي الشهر الماضي، أقرت الإدارتان المتنافستان في ليبيا أول ميزانية موحدة للدولة منذ أكثر من عشر سنوات، في خطوة أعادت إحياء الآمال بإمكانية تعزيز الاستقرار داخل بلد لا يزال يعيش انقساما حادا بين حكومتين متنافستين منذ عام 2014.

الاتفاق على أول ميزانية موحدة، في مرحلته الحالية، لا يتعدى كونه وعدا رمزيا أكثر منه تحولا حقيقيا في إدارة الأزمة الليبية

وأمكن التوصل إلى الاتفاق في 11 أبريل بوساطة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية. ويهدف الاتفاق إلى الحد من الفساد وتوفير التمويل الكافي للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية المملوكة للدولة بما يسمح بزيادة الإنتاج النفطي. وكان بولس قد اعتبر، في منشور عبر منصة إكس، أن الاتفاق يمثل جزءا من خارطة طريق أوسع ترمي إلى تحقيق السلام والوحدة الوطنية في ليبيا.

ورغم الترحيب بالاتفاق باعتباره تطورا إيجابيا، رأى محللون تحدثوا إلى مجلة “فورين بوليسي” أن ما تحقق لا يتجاوز كونه اتفاقا محدودا للإنفاق، ومن غير المرجح أن يقود إلى وحدة سياسية أوسع خلال المستقبل القريب.

وقال عماد الدين بادي، الباحث الليبي البارز في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إن الميزانية تفتقر إلى الإصلاحات الهيكلية وآليات التنفيذ. واعتبر أن الاتفاق، في مرحلته الحالية، لا يتعدى كونه وعدا رمزيا أكثر منه تحولا حقيقيا في إدارة الأزمة الليبية.

وتعيش ليبيا أزمة اقتصادية متواصلة منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتقلب عائدات النفط، والتزايد السريع في الدين العام. وبعد التوصل إلى وقف إطلاق النار عام 2020، ساهمت الحكومتان المتنافستان، حكومة طرابلس برئاسة عبدالحميد الدبيبة، والفصيل الشرقي بقيادة المشير خليفة حفتر، في موجة واسعة من الإنفاق المفرط.

ويرى اقتصاديون أن الاقتصاد الليبي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “اقتصاد تقاسم النفوذ”، حيث أصبحت المؤسسات المالية والنفطية أدوات لإدارة التوازنات السياسية والعسكرية أكثر من كونها مؤسسات دولة تعمل وفق معايير الحوكمة والشفافية.

وأشارت ريانون سميث، المديرة التنفيذية لشركة “ليبيا – أناليسيس” الاستشارية، إلى أن من أبرز نتائج هذا الإنفاق المتضخم تراجع قيمة الدينار الليبي.

ولم يعد الانقسام مقتصرا على المؤسسات السياسية والأمنية، بل امتد إلى البنية الاقتصادية نفسها، حيث نشأت شبكات موازية للإنفاق والتوظيف وتوزيع الإيرادات، ما جعل أي محاولة لإقرار ميزانية موحدة تصطدم تلقائيا بمصالح قوى نافذة راكمت نفوذها خلال سنوات الفوضى.

وكان بولس قد بدأ المفاوضات بين الحكومتين المتنازعتين في يوليو، في إطار مساع معلنة لتعزيز السلام، إلى جانب دعم الاتفاقيات التجارية الخاصة بالشركات الأميركية العاملة في ليبيا، الدولة النفطية التي يذهب الجزء الأكبر من صادراتها النفطية إلى الأسواق الأوروبية.

وبعد أسابيع قليلة من الإعلان عن اتفاق الميزانية في أبريل، وقّعت شركة “شيفرون” الأميركية العملاقة للطاقة اتفاقية مبدئية مع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية لتقييم إمكانات النفط والغاز الصخري في البلاد.

ويشير هذا التزامن، بحسب مراقبين، إلى أن المقاربة الأميركية تجاه ليبيا باتت تقوم بصورة متزايدة على ربط الاستقرار السياسي بأمن الطاقة والاستثمارات النفطية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

وكتب بلال عبدالله، في مقال حديث بمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن المقاربة المعتمدة في ليبيا تعكس بدرجة كبيرة السياسة الخارجية الأوسع التي تعتمدها إدارة ترامب، حيث يتواصل تفسير المصالح الأميركية في عدد من الصراعات الدولية من منظور اقتصادي بالدرجة الأولى.

وأفضت المفاوضات إلى الاتفاق على ميزانية تنمية موحدة تبلغ قيمتها 30 مليار دولار. ووفقا لما نقلته وكالة رويترز، خُصص نحو 1.9 مليار دولار للمؤسسة الوطنية للنفط، فيما توزعت بقية النفقات على الإعانات، ورواتب موظفي القطاع العام، والإعانات الأسرية، والتكاليف التشغيلية.

ورغم أن العديد من تفاصيل الميزانية لم يُكشف عنها، فإن الهدف المعلن يتمثل في تنسيق الإنفاق على البنية التحتية الموازية والحد من الإنفاق الحكومي المفرط.

لكن بادي رأى أن وجود كيانين سياسيين منفصلين يعني عمليا استمرار توزيع حصص مختلفة من الميزانية، في ظل غياب رغبة حقيقية في ممارسة ضغوط فعالة أو اتخاذ إجراءات قسرية بحق الأطراف الليبية.

ووافقت سميث على هذا التقييم، موضحة أن ما جرى لا يمثل اتفاقا داخل حكومة واحدة على ميزانية موحدة، بل هو أقرب إلى تفاهم بين شبكتين سياسيتين منفصلتين قررتا وضع سقف مشترك للإنفاق حفاظا على توازن المصالح.

ويعتقد محللون أن الاتفاق لا يعكس توجها نحو توحيد الدولة بقدر ما يمثل صيغة لإدارة الانقسام القائم بأقل قدر ممكن من الصدام، خصوصا مع استمرار غياب أي مسار سياسي شامل يقود إلى انتخابات أو إلى إعادة بناء المؤسسات السيادية بصورة موحدة.

ورحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالاتفاق، واعتبرته تقدما مهما نحو تلبية الحاجة الملحة إلى مزيد من الانضباط في إدارة الإنفاق العام، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة فرض رقابة صارمة على الإنفاق في مختلف أنحاء ليبيا وفق المعايير الدولية.

ويرى محللون، من بينهم بادي وسميث، أن إطار الإنفاق الخاص بالسنة المالية 2026 لا يمثل سوى حل مؤقت لا يعالج المشاكل الهيكلية العميقة التي تعاني منها البلاد، وعلى رأسها الفساد وتحويل عائدات النفط إلى شبكات أجنبية بمساعدة من روسيا وأطراف دولية أخرى.

كما يظل تأثير الحرب في إيران على مسار الإنفاق الحكومي الليبي محاطا بالغموض. فمع اضطراب أسواق النفط العالمية نتيجة الصراع، رفعت ليبيا إنتاجها لتلبية الطلب الدولي المتزايد.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن عائدات النفط ارتفعت إلى 2.9 مليار دولار خلال أبريل، مقارنة بمليار دولار فقط في فبراير.

لكن هذه الطفرة المالية لا تعني بالضرورة تحسنا في الوضع المعيشي لليبيين، إذ يخشى مراقبون أن تتحول الإيرادات الإضافية إلى وقود جديد لشبكات المحاصصة والفساد، بدلا من توظيفها في مشاريع تنموية حقيقية أو إصلاح الخدمات الأساسية المنهارة.

وجود كيانين سياسيين منفصلين شرقا وغربا، وفي غياب ضغوط جدية، يعني عمليا استمرار توزيع حصص مختلفة من الميزانية

وترى سميث أن الجزء الأكبر من هذه العائدات سيُختلس على الأرجح أو سيُستخدم لإعادة إنتاج شبكات النفوذ القائمة، بدلا من أن يذهب إلى إصلاح الاقتصاد أو تخفيف عبء الديون المتراكمة على الدولة الليبية.

ومن المرجح أيضا أن ترسم طريقة إدارة مفاوضات الميزانية ملامح السياسة الليبية خلال المرحلة المقبلة. فقد تعامل بولس، أثناء المحادثات، بصورة رئيسية مع إبراهيم، ابن شقيق عبدالحميد الدبيبة، وصدام حفتر، ابن خليفة حفتر ووريثه المحتمل.

ويرى منتقدون أن هذا الأسلوب ساهم في تهميش المؤسسات الرسمية والأحزاب السياسية الأوسع تمثيلا، مقابل تعزيز نفوذ الدوائر العائلية والعسكرية التي باتت تتحكم فعليا في مفاصل القرار الاقتصادي والسياسي.

وأشارت سميث إلى أن هذه المفاوضات عززت شرعية عائلة حفتر، رغم أن إدارتها لا تحظى عموما باعتراف دولي، مشيرة إلى أنها أصبحت تمتلك قناة اتصال مباشرة مع الإدارة الأميركية.

كما تساءل بادي عن جدوى تكليف الجهات ذاتها التي لعبت دورا محوريا في استنزاف احتياطيات الدولة وإلحاق الضرر بالاقتصاد الليبي بقيادة الجهود الرامية إلى معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

وفي المحصلة، يبدو أن ليبيا لم تدخل بعد مرحلة “الوحدة الاقتصادية” بالمعنى الحقيقي، بقدر ما انتقلت إلى صيغة جديدة من تقاسم النفوذ تحت مظلة تفاهم مالي مؤقت. فطالما ظل الانقسام السياسي قائما، واستمرت شبكات المصالح المسلحة والعائلية في التحكم بمفاصل الدولة، فإن أي ميزانية موحدة ستبقى أقرب إلى هدنة مالية هشة، لا إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة الليبية.

اضف تعليقك