الإفلات من العقاب يعيد إنتاج الجريمة.. أمريكا بمواجهة كيماوي جيش السودان

2026/03/26م

(عاد| لندن) متابعات:

تواجه الولايات المتحدة اختبارًا حاسمًا في سياستها تجاه السودان، إذ تتعامل مع دولة تعيد توظيف الأسلحة الكيماوية بشكل منهجي ضد خصومها الداخليين، في سياق من الإفلات المطول من المساءلة الدولية.

فمنذ عقود، اتخذت الخرطوم من هذه الأسلحة أداةً للحكم القمعي، في نمط يتكرر اليوم في خضم الحرب الأهلية الراهنة، دون أن يلقى ردعًا دوليًا حاسمًا.

ووفقًا لمجلة «ناشيونال إنترست»، تشير الوقائع الميدانية إلى أن القوات المسلحة السودانية، بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لجأت خلال النزاع الدائر مع قوات الدعم السريع إلى استخدام براميل متفجرة محملة بغاز الكلور، في عمليات طالت مواقع حيوية، كمصفاة الجيلي النفطية وقاعدة الجيلي العسكرية، بحلول سبتمبر/أيلول 2024.

وتكشف هذه العمليات عن نمط مؤسسي لا يُعزى إلى تجاوزات فردية، إذ أُعيد توظيف الكلور المخصص «لأغراض معالجة المياه حصرًا» في تصنيع أسلحة كيماوية، وفقًا لتحقيقات منظمة «سي4إيه دي إس»، التي أشارت إلى دور شركة هندسة الموانئ المحدودة المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في استيراد مواد كيماوية مزدوجة الاستخدام.

ما يميز الحالة السودانية هو استمرارية التكتيك عبر أنظمة متعاقبة. ففي عام 2016، شن نظام عمر البشير أكثر من 30 ضربة كيماوية على منطقة جبل مرة خلال تسعة أشهر، في حملة وصفتها تقارير حقوقية بأنها ممنهجة، خلفت مئات القتلى بين المدنيين، أغلبهم أطفال، دون أن تترتب عليها عواقب قانونية أو عسكرية فورية.

هذا الفراغ العقابي أسهم، وفق مراقبين، في ترسيخ ثقافة إفلات، جعلت من السهل إعادة إحياء التكتيك ذاته بعد اندلاع النزاع الحالي.

جذور استعمارية وامتدادات ما بعد الاستعمار
لا تنفصل أدوات الحرب الكيماوية في أفريقيا عن سياقها التاريخي. ففي عشرينيات القرن الماضي، استخدمت القوى الاستعمارية الأوروبية — إسبانيا وفرنسا — الغازات السامة لقمع المقاومة في حرب الريف، تلتها إيطاليا باستخدام غاز الخردل في غزو إثيوبيا عام 1935، ثم البرتغال في أنغولا خلال سبعينيات القرن العشرين.

وبعد انحسار الاستعمار الرسمي، تبنت أنظمة ما بعد الاستعمار هذه الممارسات. ففي ليبيا، وظف نظام القذافي غاز الخردل ضد تشاد في حروب السبعينيات والثمانينيات، فيما أنشأت جنوب أفريقيا، في ظل الفصل العنصري، «مشروع الساحل» السري لتطوير الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.

ويأتي السودان اليوم كأحد أبرز الأمثلة على إعادة إنتاج هذا الإرث، ليس فقط بتوظيف الأسلحة ذاتها، بل بإضفاء صبغة أيديولوجية عليها، في ظل هيمنة فصائل الإسلام السياسي على هيكل الدولة والمؤسسة العسكرية.

التشابك مع الإسلام السياسي وانعكاساته على الدبلوماسية
وصنّفت الولايات المتحدة، في خطوة لافتة، جماعة الإخوان المسلمين السودانية ككيان إرهابي عالمي مُصنّف بشكل خاص، مشيرة إلى ترويجها لأيديولوجية متطرفة وارتباطها بالحرس الثوري الإيراني في مجالات التدريب والدعم. ويأتي هذا التصنيف في سياق تراكم الأدلة على ما وصفته الخارجية الأمريكية بـ«العنف الممنهج ضد المدنيين».

غير أن التحدي الأساسي يكمن في أن الفصل بين القوات المسلحة السودانية والجماعة بات شبه مستحيل، بعد عقود من تغلغل شبكات الإخوان في صفوف الضباط والأجهزة الأمنية، بما حوّل المؤسسة العسكرية إلى امتداد عضوي لهذا التيار الأيديولوجي.

ورغم التغيير السياسي الذي أعقب سقوط البشير في 2019، ظلت هذه البنية قائمة، وهو ما يفسر، وفق محللين، استمرار منطق الحرب الكيماوية رغم التحولات الظاهرية في المشهد السياسي.

وهذا التشابك يضع المجتمع الدولي أمام معضلة استراتيجية. فقد أظهرت الفصائل الإسلامية في السودان رفضًا متكررًا لمبادرات السلام التي رعتها اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، ما يعيد طرح تساؤلات حول جدوى التعامل مع القوات المسلحة السودانية كطرف تفاوضي شرعي.

ويرى منتقدون أن مواصلة مسار المفاوضات، في ظل استمرار انتهاكات القانون الدولي الإنساني، قد تتحول إلى شكل من أشكال التواطؤ، مع حلقة مفرغة أثبتت فشلها في تحقيق الاستقرار أو العدالة للشعب السوداني.

لحظة حاسمة
وترى المجلة أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يقفان أمام لحظة حاسمة، تتطلب تجاوز العقوبات الجزئية والتصنيفات الرمزية، نحو استراتيجية أكثر صرامة وفاعلية.

فالحرب الكيماوية في السودان ليست مجرد انتهاك عابر، بل نتاج بنية مؤسسية وأيديولوجية متماسكة، ما يجعل معالجتها تتطلب تفكيك هذه البنية أو فرض تكلفة حقيقية تردع تكرارها.

ومن دون ذلك، ستظل الأسلحة الكيماوية أداة متاحة في صراعات المنطقة، فيما يدفع المدنيون الثمن الأغلى، في ظل غياب الردع والمساءلة الدولية.

اضف تعليقك