يصعب على المتابع للشأن الدولي هذه الأيام أن تفوته أخبار الانتخابات التي أُجريت أو يجري الاستعداد لها في عدد من دول العالم، من البرازيل والولايات المتحدة إلى إسبانيا وفرنسا وإسرائيل حيث تتنافس الأحزاب والقوى السياسية هناك وتُطرح البرامج والرؤى وتُستعرض الأفكار والمشاريع، وتتوالى اللقاءات الجماهيرية والمناظرات التلفزيونية المباشرة بين المتنافسين، في مشهد يعكس حيوية الحياة السياسية وحرص المرشحين الشديد على إقناع الناخبين وكسب أصواتهم ورضاهم.
ففي البرازيل مثلاً شملت الانتخابات الرئاسة والبرلمان وحكام الولايات، وتستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فيما تترقب إسبانيا انتخابات عامة مبكرة، وتتحضر فرنسا لانتخابات رئاسية في النصف الأول من العام المقبل، وحتى دولة اسرائيل نفذت استحقاقاً انتخابياً برلمانياً قبل أيام.
وبعيداً عن اختلاف الأنظمة السياسية من دولة لأخرى، تبقى الانتخابات إحدى الوسائل التي تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم ومساءلتهم وتجديد الثقة بهم أو سحبها منهم، لكننا نحن اليمنيين نتابع هذه المشاهد ولا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الشعور بغصة مؤلمة ونحن نرى دول العالم تمضي في دوراتها الانتخابية بكل تتطلع وحماس نحو المستقبل بينما لانزال خارج هذا الاستحقاق منذ سنوات طويلة.
فآخر انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية شاملة شهدتها بلادنا كانت في عام 2006م، أي قبل عشرين عاماً بالتمام والكمال، باستثناء الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في فبراير 2012م لاختيار الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، ومنذ ذلكم الحين لم يتمكن اليمنيون من ممارسة حقهم في اختيار ممثليهم عبر انتخابات عامة، فيما تعطلت المؤسسات الدستورية وتراجعت الحياة السياسية بشكل عام وملحوظ.
تخيلوا معي أن جيلاً كاملاً من الشباب اليمني بلغ السن القانوني للحق في الانتخاب بل ربما تجاوز ذلك بسنوات، دون أن يمارس حقه المشروع في اختيار رئيس أو ممثلين عنه في البرلمان أو المجالس المحلية، لذلك فإن أكثر ما يؤلم في المشهد اليمني ليس فقط توقف الانتخابات بل توقف الزمن السياسي نفسه، فيما تتغير الحكومات في دول أخرى وتتجدد القيادات ويُمنح المواطن فرصة الاختيار بين بدائل متعددة وبرامج خدمية وتنموية متنوعة.
فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها ولا تكفي وحدها لبناء الدولة، لكنها إحدى ركائز الحكم الرشيد ووسيلة لتعزيز مشاركة المواطنين ومساءلة المسؤولين متى ما أُجريت في بيئة آمنة ونزيهة وحرة ومسؤولة بوعي وادراك ودون عنصرية وتبعية عمياء.
نحن لا نتابع الانتخابات في العالم لمجرد الفضول بل لأننا نرى فيها حقاً غائباً عنا ولأنها تجربة يتمنى اليمنيون استعادتها بعد سنوات طويلة من الحرمان، نتابع ما يحدث حولنا بشغف وحزن ونحن نرى عقارب الزمن السياسي في بلدان كثيرة تمضي نحو الأمام بينما لا يزال وطننا عالقاً في دائرة الأزمات والاقتتال والتجهيل والتعطيل والتراجع.
فهل يأتي اليوم الذي نتابع فيه الانتخابات في العالم دون غصة، لأن اليمنيين حينها سيكونون قد عادوا إلى صناديق الاقتراع وصاروا يمارسون حقهم الدستوري في الاختيار بوعي ومسؤولية فيشاركون بفاعلية في النهوض بحاضرهم وصناعة مستقبل وطنهم؟.
















