الشحر ليست مدينة عابرة في تاريخ حضرموت، وميناؤها ليس منشأة هامشية يمكن اختزال دورها في النشاط السمكي وحده؛ إنها مدينة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، وموقع تجاري ارتبط بحركة الملاحة والتجارة البحرية منذ قرون طويلة.
كانت الشحر إحدى المحطات التجارية المهمة على ساحل حضرموت، وارتبط موقعها بالطرق البحرية التي تصل الهند بشرق إفريقيا والخليج العربي والبحر الأحمر. وقد عرفت تجارتها سلعًا متعددة، واشتهرت باللبان الشحري الذي ذاع صيته في أسواق المنطقة، لتؤكد مكانة المدينة بوصفها مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا بارزًا عبر العصور.
ولم تأتِ شهرة الشحر التجارية من فراغ، فقد ذاع صيتها قديمًا بتجارة اللبان، حتى جرى على ألسنة الشعراء القول:
«اذهب إلى الشحر ودع عُمانًا
إن لم تجد تمرًا تجد لبانًا»
وهي عبارة تختزل مكانة مدينة عُرفت بالتجارة، وارتبط اسمها باللبان الشحري الذي تجاوزت شهرته حدود حضرموت إلى أسواق المنطقة.
وفي عام 1613م، زارها الهولندي فان دن بروكه، ووصف ميناءها بأنه الميناء الرئيسي لحضرموت، مشيرًا إلى وجود نحو أربعة عشر مركبًا راسيًا فيه، فضلًا عن سفن أخرى كانت تصل من الهند وشرق إفريقيا والخليج العربي.
هذه الشواهد التاريخية تؤكد أن الشحر لم تكن يومًا مدينة بلا وزن اقتصادي، ولا ميناءً بلا أهمية، بل كانت نافذة حضرموت البحرية على العالم، ومحطة مهمة في حركة التجارة والملاحة عبر العصور.
فكيف بميناء يحمل هذا التاريخ أن يُختزل دوره اليوم في النشاط السمكي فقط، بينما يمتلك من المقومات والموقع ما يؤهله للقيام بدور تجاري وسمكي متكامل؟
إن تشغيل ميناء الشحر تجاريًا وسمكيًا ليس ترفًا ولا مطلبًا عاطفيًا، بل ضرورة اقتصادية وتنموية تستحق أن تحظى بالاهتمام الجاد. فإلى جانب خدمة قطاع الثروة السمكية، يمكن للميناء أن يسهم في تنشيط الحركة التجارية، واستقبال البضائع وفق الإمكانات والاشتراطات الفنية والأمنية، وتوفير فرص عمل للشباب، وتحريك عجلة الاقتصاد في الشحر ومناطق ساحل حضرموت.
لكن المؤسف أن الميناء بات يواجه عراقيل وقيودًا تثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل دوره، ولا سيما في ظل استمرار العمل بالقرار رقم (11) لسنة 2025م الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي، وما يُثار بشأن آثاره على نشاط الميناء، في وقت تستمر فيه أنشطة موانئ أخرى شملها القرار.
وهنا يبرز السؤال الذي لا بد من الإجابة عنه بوضوح: لماذا يُحرم ميناء الشحر من ممارسة دوره التجاري، وما المبررات الموضوعية التي تحول دون الاستفادة من إمكاناته وفقًا للقوانين والضوابط المنظمة للعمل في الموانئ؟
مع العلم ان الميناء يخضع لكل القوانين والضوابط المنظمة للعمل في الموانئ.
إن استمرار هذه القيود، دون معالجة واضحة تضمن حقوق المدينة ومصالحها الاقتصادية، يضع علامات استفهام حول مستقبل الميناء، ويعزز المخاوف من أن ينتهي الأمر بتهميش دوره التجاري والاكتفاء بنشاطه السمكي، رغم ما يملكه من تاريخ وإمكانات تؤهله لأكثر من ذلك.
أما الاتهامات التي تحاول ربط ميناء الشحر بعمليات التهريب أو استخدامه في أنشطة غير مشروعة، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون أدلة واضحة ونتائج تحقيقات .
فالميناء منشأة تخضع لجهات أمنية وعسكرية ورقابية، وأي اتهام يتعلق بحدوث تجاوزات فيه يستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القانون، لا اتخاذه ذريعة لتعطيل الميناء أو الانتقاص من مكانة المدينة وأبنائها.
كما أن إطلاق اتهامات غير مثبتة لا يسيء إلى الميناء وحده، بل يثير تساؤلات بشأن أداء الجهات المعنية بالرقابة والتأمين، وينعكس على صورة المؤسسات الرسمية التي يفترض أن تضطلع بمسؤولياتها في حماية المنشآت وتنظيم عملها.
فإذا كانت هناك مخالفات، فلتُكشف بالأدلة، وليُحاسب المسؤولون عنها وفق القانون، أما أن تتحول الاتهامات إلى مبرر لتعطيل منشأة اقتصادية وتقييد نشاطها، فذلك أمر لا يمكن القبول به دون توضيحات موضوعية ومقنعة.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، التي ينبغي أن تتخذ موقفًا واضحًا ومسؤولًا تجاه مستقبل ميناء الشحر، وأن تعمل على مراجعة القيود المفروضة على نشاطه، والدفاع عن حق المدينة في الاستفادة من موقعها وإمكاناتها، بعيدًا عن الانتقائية أو المعايير المزدوجة.
إن أبناء الشحر لا يطالبون بامتيازات استثنائية، ولا يسعون إلى الانتقاص من أهمية أي ميناء آخر في حضرموت أو اليمن، وإنما يطالبون بإنصاف مدينتهم، ومنحها حقها في التنمية، والاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية والتاريخية، ضمن رؤية متكاملة تنهض بجميع الموانئ والمنشآت البحرية.
إن المطلوب اليوم هو إعادة النظر في القرار رقم (11) لسنة 2025م، ومراجعة آثاره على ميناء الشحر، والعمل على إقرار إطار قانوني واضح يتيح تشغيله ميناءً تجاريًا وسمكيًا، وفق المتطلبات الفنية والأمنية والاقتصادية، وبما يضمن سلامة الملاحة ومكافحة التهريب وحماية المصالح العامة.
كما أن المرحلة تتطلب موقفًا جادًا من السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، ومناصرة هذا المطلب المشروع أمام الجهات المختصة، بدلًا من الصمت إزاء استمرار القيود التي تحد من الاستفادة من الميناء وإمكاناته.
فالشحر التي عرفت التجارة والملاحة منذ قرون، وأسهم ميناؤها في ربط حضرموت بالعالم، لا تستحق أن تجد نفسها اليوم خارج معادلة التنمية الاقتصادية، ولا أن يصبح تاريخها مجرد حكايات تُروى بينما تُعطّل الإمكانات التي يمكن أن تصنع مستقبل أبنائها.
إن استعادة الدور التجاري لميناء الشحر ستنعكس إيجابًا على الحركة الاقتصادية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام التجار والصيادين والشباب، وتوفر فرصًا للعمل والاستثمار، وتعزز مكانة المدينة باعتبارها إحدى الحواضر التاريخية والاقتصادية المهمة على ساحل حضرموت.
إن تاريخ الشحر ليس مجرد صفحات تُروى في الكتب، بل مسؤولية ينبغي أن تُترجم إلى مشاريع وفرص ومؤسسات فاعلة.
ومن حق أبنائها أن يروا ميناء مدينتهم يستعيد دوره، وأن تتحول إمكاناته من عنوان للجدل والقيود إلى رافعة اقتصادية تخدم المدينة وحضرموت واليمن عمومًا.
فالشحر التي تغنّى الشعراء بلبانها، وعرفها التجار والملاحون عبر العصور، تستحق اليوم أن تستعيد مكانتها، وأن يُفتح أمام مينائها أفق جديد للعمل التجاري والسمكي، بما يليق بتاريخها العريق وتطلعات أبنائها.
ميناء الشحر ليس ملكًا لجيل دون آخر، ولا إرثًا يجوز التفريط فيه؛ إنه جزء من تاريخ حضرموت، وحق لأجيالها القادمة، ونافذة اقتصادية تستحق أن تُفتح أمام المستقبل، لا أن تُغلق في وجهه.



















