حين تتوحد الأوطان في مواجهة التطرف .. دروس من الأردن لليمن

كاتب المقال:

تابعتُ كغيري، مشهد التشييع الرسمي والشعبي المهيب لضحايا الهجوم الإرهابي المسلح الذي استهدف مواطنين أردنيين من أبناء الديانة المسيحية يوم الجمعة الماضية، خلال مراسم جنازة داخل كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية بمحافظة الكرك، مخلفاً قتلى وعشرات الجرحى من المُعزين.

ما لفت انتباهي منذ وقوع الجريمة وحتى مراسم التشييع، حجم التضامن الوطني والإنساني الذي عبّرت عنه القيادة الأردنية، من الملك وولي العهد ورئيس الحكومة ومجلس الأمة، إلى الجيش ودار الإفتاء ومختلف المؤسسات والأحزاب والمكونات الرسمية والشعبية، في مشهد يجسد وحدة الأردنيين في مواجهة التطرف، ويُذكّر بتجربة مصر قبل نحو عقد، حين واجهت موجات شديدة من العنف الطائفي وتمسّك أبناؤها بوحدتهم الوطنية رغم اختلاف أديانهم ومذاهبهم.

فمن عاش في مجتمع يحترم التنوع ويصون حق الاختلاف، يُدرك أن استهداف إنسان بسبب دينه أو مذهبه ليس اعتداءً عليه وحده، بل تهديد لقيم المجتمع وأمنه وتماسكه، وهذا مافهمه الأردنيون والمصريون وغيرهم من أبناء المجتمعات العربية التي تشهد تنوعاً ديناً أو مذهبياً ورغم ذلك لا تسمع عنهم وترى منهم الا كل خير ومحبة وألفة ومودة.

وتزداد مرارة هذه المشاهد حين نتأمل واقعنا اليمني، فبلدنا الذي لا يشهد اليوم تنوعاً دينياً مماثلاً لما في الأردن ومصر وبلدان عربية أخرى، لا يزال يعاني من محاولات بث الفتنة بين أبناء الدين الواحد والمذهب الواحد أو المذهبين القريبين من بعضها واللذين يتفقان في الأصول غالباً ويختلفان ربما في بعض الفروع أو فروع الفروع، عبر حملات التكفير والتبديع والتفسيق وخطابات التحريض التي قد تصل إلى الدعوة الصريحة أو المبطنة لإقصاء الآخر المختلف مذهبياً والتمهيد لإستباحة دمه وماله وعرضه وأرضه.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، فإذا كان اختلاف الأديان والمذاهب لم يمنع شعوباً من التمسك بوحدتها الوطنية، فكيف يسمح أبناء الوطن الواحد والدين الواحد الذين تجمعهم روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك للخلافات المذهبية أن تتحول إلى أدوات للفرقة والعداء؟، والى تشجيع الاصوات المتطرفة في كل مذهب ومساندتها في تدمير النسيج الاجتماعي وإثارة النعرات المذهبية والطائفية المدمرة للإرض والإنسان وللحاضر والمستقبل.

لقد تعايش اليمنيون عبر قرون بكل محبة وصدق، وتصارعوا في مراحل مظلمة أخرى، وكانت دوافع ذلكم الصراع غالبا سياسية استماتت في توظف الدين والمذهب من أجل القضاء على الخصوم، ورغم ذلك كله فقد ظلت روابط المجتمع أقوى من كثير من الخلافات التي عرفها التاريخ، ومن واجبنا اليوم حماية هذا الإرث ورفض التحريض والكراهية وصون حق الاختلاف، والضرب بيد من حديد على يدٍ من يُلبس الدين والمذهب ثوب السياسة فيسيس المذهب حسب رغباته ولخدمة طموحاته العنصرية والفوضوية في السيطرة والحكم وبسط النفوذ وامتلاك رقاب الناس، فيُمارس العنف ويُشهر السلاح لفرض رأيه ونشر مذهبه وتثبت أفكاره، فعلينا إدراك أن الفتنة المذهبية والطائفية لا تخدم إلا أعداء الوطن والأمة ومن يسعى إلى إضعاف نسيجه الاجتماعي وتدمير كل جميل فيه.

حفظ الله الأردن واليمن وسائر بلداننا من التطرف والفرقة والصراعات الدينية والمذهبية، فما دخلت هذه الآفات مجتمعاً إلا تركت وراءها الخراب في الإنسان والأرض، وأثقلت حاضر الشعوب ومستقبلها الذي تنشد.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: