في الجزء السابق، تحدثتُ عن السؤال الأهم: ماذا تريد حضرموت؟ ومن سيحمل هذا المطلب إلى طاولة الحوار؟
وأكدتُ أن القضية ليست في اختيار الأشخاص قبل الاتفاق على الرؤية، وإنما في بناء موقف حضرمي واضح يستند إلى توافق حقيقي حول المطالب والأهداف.
وفي هذا الجزء، أريد أن أتوقف عند مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي:
ما دور كل طرف؟ وأين يبدأ دور السلطة المحلية وأين ينتهي؟
وهذا السؤال مهم، لأن نجاح أي مشروع جامع في حضرموت يحتاج إلى وضوح الأدوار، وعدم الخلط بين المسؤوليات والاختصاصات.
السلطة المحلية.. ودورها الطبيعي
لا يختلف اثنان على أهمية دور السلطة المحلية في إدارة شؤون المحافظة وخدمة المواطنين، فهي جزء أساسي من مؤسسات الدولة، ونجاحها في أداء مهامها ينعكس بصورة مباشرة على حياة الناس واستقرارهم.
وقانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000م وتعديلاته وضع إطارًا واضحًا لطبيعة عمل السلطة المحلية، وقام نظامها على مبدأ اللامركزية الإدارية والمالية، وتوسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار وإدارة الشأن المحلي، خصوصًا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واقتراح البرامج والخطط والموازنات الاستثمارية، وتنفيذ الخطط والبرامج التنموية، والرقابة والإشراف على الأجهزة التنفيذية.
كما حدد القانون للمجلس المحلي على مستوى المحافظة اختصاصات تتعلق بدراسة وإقرار خطط التنمية والموازنة، والإشراف والرقابة على الأجهزة التنفيذية، ومتابعة تنفيذ المشاريع والبرامج، ودراسة الشؤون العامة التي تهم المواطنين على مستوى المحافظة.
وهذه اختصاصات مهمة وكبيرة، وتؤكد أن الدور الأساسي للسلطة المحلية هو إدارة الشأن المحلي، وتحقيق التنمية، ومتابعة الخدمات، وحماية المصالح العامة، والإشراف على أداء الأجهزة التنفيذية.
ومن هنا، فإن الحديث عن حدود دور السلطة المحلية ليس انتقاصًا منها، ولا تقليلًا من أهميتها، وإنما هو تأكيد على أن لكل مؤسسة اختصاصاتها ومسؤولياتها.
العمل السياسي.. ودور المكونات
أما العمل السياسي والحقوقي والتنسيق بين المكونات والقوى الاجتماعية والسياسية، فله طبيعته ومساحته المختلفة.
فالمكونات الحضرمية، بمختلف توجهاتها، هي التي يفترض أن تتحاور فيما بينها حول رؤيتها ومطالبها، وأن تتفق على الأسس والمعايير التي تنظم مشاركتها، وأن تحدد من يمثلها وكيف يمثلها.
وهنا أرى أن الخلط بين الدور الإداري والتنفيذي للسلطة المحلية وبين العمل السياسي للمكونات قد يخلق إشكالات نحن في غنى عنها.
إن أي إطار سياسي يريد أن يقدم نفسه ممثلًا لقضية عامة أو رؤية سياسية، يحتاج إلى شرعية نابعة من التوافق المجتمعي والسياسي، وليس فقط من وجود غطاء رسمي أو ارتباط إداري بالسلطة المحلية.
فالغطاء الرسمي، مهما كانت أهميته، لا يمنح أي إطار تلقائيًا صفة التمثيل السياسي لمجتمع أو قضية، وإنما تأتي شرعية التمثيل من وضوح الرؤية، واتساع قاعدة التوافق حولها، ووجود تفويض واضح من المكونات والقوى التي يفترض أن يمثلها.
ولهذا، فإن السلطة المحلية يمكن أن تكون داعمة للاستقرار وخدمة المواطنين، وتهيئة الظروف المناسبة لأي جهد يخدم حضرموت، لكن ذلك يختلف عن أن تكون هي المظلة التي ينشأ تحتها إطار سياسي أو حقوقي يمثل المكونات.
المجلس التنسيقي.. من أين يستمد قوته؟
وهنا نعود إلى المجلس التنسيقي الأعلى بحضرموت.
إذا كان الهدف منه هو جمع المكونات الحضرمية وتنسيق مواقفها، فإن قوته الحقيقية يجب أن تأتي من توافق هذه المكونات، ومن وضوح أهدافه، ومن طبيعة التفويض الذي يحمله.
أما إذا ارتبط المجلس إداريًا بجهة تنفيذية، أو أصبح وجوده قائمًا على مظلة رسمية، فقد يفتح ذلك تساؤلات مشروعة حول طبيعته:
هل هو مجلس تنسيقي بين المكونات؟
أم مكون سياسي جديد؟
ومن يمنحه التفويض؟
ومن يمثل؟
وهذه الأسئلة سبق أن طرحناها في الأجزاء الماضية، وهي لا تستهدف أحدًا، وإنما تهدف إلى الوصول إلى صيغة أكثر وضوحًا وقبولًا.
الشرعية التمثيلية لا تأتي من الغطاء الرسمي فقط
وهنا أعتقد أن هناك نقطة مهمة يجب أن تكون واضحة.
أي إطار يريد أن يحمل قضية عامة أو يتحدث باسم حضرموت، فإن قوته لا تأتي فقط من وجود غطاء رسمي أو ارتباط إداري، وإنما من حجم التوافق المجتمعي حوله، ووضوح رؤيته، وطبيعة التفويض الذي يحمله.
فالتعامل السياسي مع أي جهة لا يقوم فقط على الصفة الإدارية التي تحملها، وإنما يتأثر بطبيعة الجهة التي تتحدث، واتساع قاعدة التأييد لها، ووضوح مشروعها، ومدى تمثيلها للقوى والمكونات التي تدّعي الحديث باسمها.
ولهذا، فإن أي مشروع سياسي أو حقوقي لحضرموت يحتاج إلى أن يستند إلى توافق حضرمي واسع، حتى يكون قادرًا على التعبير عن تطلعات أبنائها أمام الداخل والخارج.
السلطة للجميع.. والمكونات للجميع
نحن نريد سلطة محلية قوية وفاعلة، تقوم بواجباتها، وتعمل على تحسين الخدمات، وتحقيق التنمية، وإدارة الشأن المحلي، ومتابعة حقوق المواطنين.
وفي الوقت نفسه، نريد مكونات حضرمية قادرة على الحوار فيما بينها، وصياغة رؤيتها ومطالبها، والتوافق على من يمثلها.
ولا أرى تعارضًا بين الأمرين.
بل على العكس، فإن وضوح الأدوار يمكن أن يجعل العلاقة بينهما أكثر تكاملًا.
السلطة المحلية تقوم بدورها، والمكونات تقوم بدورها، وكل طرف يعمل في المجال الذي يخصه، بما يخدم حضرموت وأبناءها.
لا نريد أن يتحول التنسيق إلى تبعية
وهنا جوهر ما أريد قوله:
إذا كان المجلس التنسيقي الأعلى يمثل المكونات الحضرمية، فمن الطبيعي أن يكون نابعًا من هذه المكونات، ومستمدًا قوته وتفويضه منها.
ولا مانع أن تتعاون معه السلطة المحلية، أو أن تقدم له ما يمكنها تقديمه في إطار اختصاصاتها، أو أن تساعد في تهيئة الظروف المناسبة لعقد الاجتماعات والفعاليات.
لكن الفرق كبير بين الدعم والتعاون وبين أن تصبح السلطة المحلية هي المظلة السياسية للمجلس.
فنحن نريد مجلسًا يستطيع أن يجمع المكونات المختلفة، وأن يستمع إلى ملاحظاتها، وأن يختلف معها ويتفق، وأن يصيغ رؤية مشتركة، دون أن يكون مرتبطًا إداريًا أو سياسيًا بأي طرف.
لأن استقلالية الإطار التنسيقي هي التي تمنحه القدرة على جمع الجميع.
ماذا نريد في النهاية؟
نريد أن نخرج من حالة الخلاف حول الأشخاص إلى الاتفاق على الأدوار.
نريد سلطة محلية تقوم بواجباتها واختصاصاتها.
ونريد مكونات حضرمية تتحمل مسؤوليتها السياسية والمجتمعية.
ونريد مجلسًا تنسيقيًا حقيقيًا، يجمع ولا يفرق، وينظم الاختلاف ولا يلغي أحدًا، ويستمد شرعيته التمثيلية من المكونات التي يتحدث باسمها.
ونريد أن تدخل حضرموت أي استحقاق سياسي وهي تحمل رؤية واضحة، وتوافقًا حقيقيًا، وتمثيلًا يستند إلى إرادة مكوناتها وأبنائها.
فالقضية في النهاية ليست من يستضيف المجلس، ولا من يقدم له الدعم.
القضية الأهم:
من يمثل حضرموت؟ وما التفويض الذي يحمله؟ وما الرؤية التي سيدافع عنها؟
وإذا استطعنا أن نجيب عن هذه الأسئلة بوضوح، فإن كثيرًا من الإشكالات التي نناقشها اليوم ستجد طريقها إلى الحل.
لأن حضرموت لا تحتاج إلى مزيد من تداخل الأدوار، وإنما تحتاج إلى وضوح في الاختصاصات، وتوافق في الرؤية، وتنسيق بين المكونات، وتكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
وهذا، في تقديري، هو الطريق الأقرب إلى بناء موقف حضرمي قوي يستطيع أن يفرض حضوره في أي حوار قادم.
وللحديث بقية…



















