في الجزء الثاني من هذه السلسلة، ختمتُ حديثي بسؤال أعتقد أنه جوهر كل ما نناقشه اليوم:
ماذا تريد حضرموت؟ ومن سيحمل هذا المطلب إلى طاولة الحوار؟
وبعد أن تناولنا في الجزأين الثالث والرابع مسألة التمثيل والتفويض، والحاجة إلى الاستفادة من التجارب والرؤى الحضرمية السابقة، أعتقد أن الوقت حان للحديث عن أصل القضية نفسها.
ماذا تريد حضرموت؟
هذا السؤال يجب أن يكون حاضرًا قبل الحديث عن الأسماء والمقاعد واللجان، لأننا إذا لم نعرف ماذا نريد، فلن يفيدنا كثيرًا أن نعرف من سيمثلنا.
حضرموت لا ينبغي أن تدخل أي حوار سياسي لمجرد أن يكون لها حضور أو عدد من المقاعد، وإنما يجب أن تدخل وهي تحمل رؤية واضحة، ومطالب محددة، وأهدافًا سياسية متفقًا عليها.
وهنا لا يمكن أن نتجاهل ما سبق أن أنجزه الحضارم.
فمؤتمر حضرموت الجامع لم يبدأ من فراغ، ولم تكن رؤيته وليدة لحظة سياسية عابرة، بل جاءت بعد نقاشات وتحضيرات واسعة، وخرجت عنه مخرجات ورؤية تناولت قضايا حضرموت وحقوقها ومكانتها.
واليوم، لا أرى مانعًا من مراجعة تلك الرؤية وتطويرها وإغنائها، وإضافة ما استجد من قضايا، والاستماع إلى من لم يكن حاضرًا عند إعدادها.
بل أرى أن هذا هو المطلوب.
أن نبني على ما سبق، لا أن نبدأ من الصفر.
حضرموت.. ماذا تريد من المستقبل؟
في تقديري، فإن أول ما يجب أن نتفق عليه هو أن حضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية أو محافظة تبحث عن تحسين الخدمات، وإنما هي مجتمع له خصوصيته السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وله مصالح ومطالب يجب أن تكون حاضرة في أي تسوية سياسية قادمة.
ومن هنا يأتي الحديث عن أن تكون حضرموت طرفًا ثالثًا في المعادلة اليمنية، لا أن تكون مجرد تابع لهذا الطرف أو ذاك.
وهذا الطرح لا يعني القطيعة مع الجنوب، ولا يعني الاصطفاف مع الشمال، وإنما يعني أن تكون لحضرموت مكانتها وقرارها ومصالحها، وأن يكون أبناؤها شركاء في تحديد مستقبلها.
فنحن لا نريد أن تُختزل حضرموت في سؤال: هل هي مع الجنوب أم مع الشمال؟
السؤال الذي يجب أن نطرحه هو:
أين حضرموت في أي معادلة سياسية قادمة؟
الحكم الذاتي.. من الشعار إلى الرؤية
وعندما نتحدث عن الحكم الذاتي لحضرموت، فلا ينبغي أن يبقى الأمر مجرد شعار سياسي.
علينا أن نحدد بوضوح:
ما المقصود بالحكم الذاتي؟
ما هي صلاحياته؟
كيف ستُدار مؤسسات حضرموت؟
كيف ستكون علاقتها بالدولة اليمنية؟
كيف ستُدار مواردها وثرواتها؟
وما شكل الترتيبات الأمنية والعسكرية؟
وكيف نضمن أن تكون السلطة والثروة والتنمية في خدمة أبناء حضرموت؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة ومدروسة، حتى تتحول المطالب الحضرمية من شعارات عامة إلى رؤية سياسية متكاملة يمكن طرحها ومناقشتها على طاولة الحوار.
وهنا يمكن الاستفادة من الرؤية التي سبق إعدادها من قبل فريق مكلف بهذا الأمر، والعمل على مراجعتها وإغنائها، بدل أن تتعدد الرؤى وتتناقض المطالب.
ما الذي يمكن أن يجمع الحضارم؟
ربما نختلف في كثير من التفاصيل، وهذا أمر طبيعي.
وقد تختلف المكونات الحضرمية في مواقفها السياسية، وفي رؤيتها لشكل الدولة أو مستقبل الجنوب أو طبيعة العلاقة مع بقية الأطراف.
لكن هل نستطيع أن نتفق على الحد الأدنى؟
أعتقد أننا نستطيع.
يمكن أن نتفق على أن:
حضرموت لها خصوصيتها.
وأن أبناءها أصحاب الحق الأول في إدارة شؤونها.
وأن ثرواتها ومواردها يجب أن تعود بالنفع على أهلها وتنميتها.
وأن قرارها السياسي والأمني يجب ألا يكون مفروضًا عليها من خارجها.
وأن قضيتها يجب أن تكون حاضرة في أي تسوية سياسية قادمة.
وأن الحضارم يجب أن يكونوا طرفًا فاعلًا في تحديد مستقبلهم، لا مجرد مكون تابع لأي طرف آخر.
هذه القضايا، في تقديري، يمكن أن تشكل أرضية مشتركة واسعة، حتى وإن اختلفنا بعد ذلك في التفاصيل.
لا نحتاج إلى رؤية جديدة كل مرة
وهنا أعود إلى ما طرحته في الجزء الرابع.
إذا كان لدينا تراكم من الرؤى والمخرجات والتجارب الحضرمية، فلماذا لا نجمعها؟
لماذا لا نضع ما سبق أمام المكونات الحضرمية، ونقول:
هذه تجربتنا، وهذه رؤانا السابقة، وهذه ما استجد من قضايا.. فلنطورها معًا.
وبعد ذلك، يمكن أن نخرج بوثيقة حضرمية حديثة، لا تمثل مكونًا واحدًا، ولا حزبًا واحدًا، ولا شخصية واحدة، وإنما تعبر عن الحد الأدنى الذي يجمع الحضارم.
وهذه الوثيقة، في رأيي، أهم من أسماء أعضاء أي لجنة.
لأن الأشخاص يتغيرون، والمجالس قد تتغير، لكن الرؤية التي يتفق عليها الحضارم هي التي يجب أن تبقى.
ومن سيحمل هذه الرؤية؟
وهنا نصل إلى الشق الثاني من السؤال:
من سيحمل هذا المطلب إلى طاولة الحوار؟
الإجابة في رأيي يجب ألا تبدأ من اختيار الأشخاص.
بل تبدأ من الاتفاق على الرؤية، ثم تحديد آلية التمثيل، ثم اختيار من يحمل هذه الرؤية بتفويض واضح.
نريد ممثلين يعرفون ماذا يريدون، وما الذي يمثلونه، وما حدود التفويض الذي يحملونه.
لا نريد أشخاصًا يذهبون إلى الحوار كلٌ برؤية مختلفة، ثم يقول كل واحد منهم: أنا أمثل حضرموت.
نريد أن يذهب ممثلو حضرموت وهم يحملون وثيقة ورؤية وموقفًا حضرميًا واضحًا.
وعندها لن يكون السؤال: من يمثل حضرموت؟
لأن الإجابة ستكون واضحة:
يمثلها من فوضته مكوناتها وشخصياتها وقواها وفق آلية متفق عليها، ويحمل رؤية حضرمية متوافقًا عليها.
وهنا فقط يصبح المجلس التنسيقي الأعلى أداة حقيقية لخدمة حضرموت، وليس غاية في حد ذاته.
فالمجلس ليس هو القضية.
واللجنة ليست هي القضية.
والأسماء ليست هي القضية.
القضية هي حضرموت.. ماذا تريد، ومن سيحمل ما تريده إلى طاولة الحوار؟
وأعتقد أن هذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها جميعًا.
فإذا اتفقنا على الرؤية، أصبح الاتفاق على الآلية والأسماء أكثر سهولة.
أما إذا بدأنا بالأسماء، قبل أن نتفق على الرؤية، فسنظل ندور في الحلقة نفسها.
حضرموت بحاجة اليوم إلى رؤية تجمعها، لا إلى مكون جديد يفرقها.
وللحديث بقية…



















