في الجزء السابق توقفتُ عند سؤال: من يمثل حضرموت؟ ومن يملك تفويضها؟
وفي هذا الجزء أريد أن أطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية:
هل نحتاج أصلًا إلى مظلة تنسيقية جديدة للحضارم؟
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال، أعتقد أن من المهم أن نتوقف قليلًا عند بعض التجارب والرؤى الحضرمية السابقة، وأن نتعلم منها، لا أن نتجاهلها أو نبدأ من الصفر في كل مرة.
فالتاريخ الحضرمي يحمل نماذج مبكرة لمحاولات جمع الكلمة وتوحيد الرؤية، سواء في الداخل أو بين الحضارم في المهجر.
ففي عام 1927م انعقد مؤتمر الإصلاح الحضرمي الأول في المكلا والشحر، ثم انعقد مؤتمر الإصلاح الحضرمي الثاني في سنغافورة عام 1928م، في سياق الحركة الإصلاحية الحضرمية، وبمشاركة شخصيات حضرمية من الداخل والمهجر، إلى جانب موفدين عن الدولتين القعيطية والكثيرية. وقد ارتبطت هذه المؤتمرات بقضايا الإصلاح والشأن الحضرمي ومحاولات توحيد الرؤى والمواقف.
وهذه التجارب التاريخية لا نحتاج إلى استنساخها اليوم، وإنما نحتاج إلى التعلم منها؛ فما أصاب فيه من سبقونا نستفيد منه، وما شابه النقص نراجعه ونتجاوزه، وما استجد من قضايا نضيفه إلى رؤيتنا.
فالتصحيح الحقيقي لا يكون بهدم كل ما سبق والبدء من الصفر، وإنما بالبناء على ما تحقق، والاستفادة من التجارب السابقة، وتطوير الرؤى بما يتناسب مع واقع حضرموت اليوم.
وفي الحاضر، سبق لحضرموت أن خطت خطوة كبيرة في هذا الاتجاه.
ففي 22 أبريل 2017م انعقد مؤتمر حضرموت الجامع بمشاركة 3001 عضو، مثلوا مختلف أطياف ومكونات المجتمع الحضرمي، من قوى سياسية وحزبية واتحادات ونقابات ومكونات اجتماعية وشخصيات عامة وأكاديميين وشباب. وكان من أهدافه جمع الحضارم وتوحيد كلمتهم وإعداد رؤية شاملة ترسم حاضر ومستقبل حضرموت.
ولم يكن المؤتمر مجرد تجمع عابر، بل خرج برؤية ومخرجات، وأصبح إطارًا جامعًا ومظلة لمختلف مكونات حضرموت، مع تأكيده على حقوق حضرموت ومكانتها في أي تسوية سياسية قادمة.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كان لدينا إطار حضرمي جامع، شاركت في تأسيسه مكونات وأحزاب وشخصيات حضرمية، وسبق أن صاغ رؤية ومخرجات، فلماذا لا نعمل على تطويره وتصحيح مساره وتوسيعه، بدل إنشاء إطار جديد من الصفر؟
والأمر اللافت أن بعض الشخصيات الموجودة اليوم في اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى كانت أصلًا جزءًا من مؤتمر حضرموت الجامع.
وهنا لا أقصد الانتقاص من أحد، وإنما أطرح سؤالًا منطقيًا:
هل المشكلة كانت في غياب إطار تنسيقي، أم في عدم تفعيل وتطوير الإطار الموجود؟
إذا كانت هناك ملاحظات على أداء مؤتمر حضرموت الجامع، فهذا أمر يمكن مناقشته.
وإذا كانت هناك مكونات أو شخصيات لم تكن حاضرة في مراحل تأسيسه، فمن الممكن دعوتها.
وإذا كانت هناك تطورات سياسية جديدة تستدعي تحديث الرؤية، فلا مانع من تطوير المخرجات وإغنائها.
لكنني لا أرى أن الحل هو أن نبدأ كل مرة من جديد.
التنسيق لا يعني إنشاء مكون جديد
هناك فرق بين أن نجمع المكونات للتنسيق بينها، وبين أن ننشئ مكونًا جديدًا ثم نطلب من بقية المكونات الانضمام إليه.
الأول يجمع الجميع.
والثاني قد يتحول إلى طرف جديد في المشهد.
ولهذا، إذا كان الهدف من المجلس التنسيقي الأعلى هو التنسيق، فليكن فعلًا مجلسًا تنسيقيًا، يجمع المكونات ولا يحل محلها، وينظم الاختلاف بينها ولا يلغيها.
والأهم من ذلك أن يبدأ العمل من المكونات نفسها.
أي أن يكون الحوار أولًا مع الأحزاب والمكونات والقوى والشخصيات، وتوضع الأسس والمعايير بالتوافق، ثم تأتي الأسماء بعد ذلك.
لا أن يتم اختيار الأشخاص أولًا، ثم اعتبارهم ممثلين لمكوناتهم دون الرجوع إليها.
وهنا أعود إلى أصل الفكرة: إذا كان المطلوب هو التنسيق بين المكونات الحضرمية، فعلينا أن نبدأ من المكونات نفسها، وأن نستفيد من التجارب التي راكمها الحضارم عبر السنوات، بدل أن نعيد إنتاج الأطر والأسماء بالأسلوب نفسه.
لا نريد إعادة إنتاج التجربة نفسها
وإذا كان الهدف من المجلس التنسيقي الأعلى هو أن يكون إطارًا جديدًا يحمل رؤية حضرموت، فعلينا أن نسأل أنفسنا:
هل نريد فعلًا مكونًا جديدًا؟
وهل نريد أن نبدأ من جديد، بينما لدينا تجارب ورؤى ومخرجات حضرمية سابقة يمكن البناء عليها وتطويرها؟
أنا أرى أن الإجابة يجب أن تكون واضحة:
لا نحتاج إلى مكون جديد بقدر ما نحتاج إلى تفعيل التنسيق بين المكونات الموجودة.
ولا أقول ذلك دفاعًا عن إطار بعينه، وإنما لأن كثرة المكونات لم تكن يومًا دليل قوة.
القوة في التوافق.
والقوة في وضوح الرؤية.
والقوة في أن تدخل حضرموت أي استحقاق سياسي وهي تعرف من يمثلها، وماذا تريد، وما حدود التفويض الذي يحمله ممثلوها.
إذن.. ماذا نريد؟
نريد أن نجلس أولًا مع المكونات الحضرمية.
نريد أن نستمع إلى من شارك، ومن لم يشارك.
نريد أن نستفيد من تجربة مؤتمر حضرموت الجامع ومخرجاته.
نريد أن نطور ما يحتاج إلى تطوير.
نريد أن نضيف من لم يكن حاضرًا.
نريد أن نستفيد من التجارب الحضرمية السابقة، ونبني عليها، بدل تجاهلها.
نريد أن نتفق على أسس ومعايير واضحة.
ثم نختار الأشخاص الذين يحملون هذه الرؤية بتفويض واضح.
عندها يمكن أن يصبح المجلس التنسيقي الأعلى فعلًا مظلة للتنسيق، لا مكونًا سياسيًا جديدًا.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت به:
هل نحتاج إلى مظلة جديدة، أم أن الأجدى هو إصلاح وتفعيل وتطوير الإطار الحضرمي الجامع الموجود أصلًا، والاستفادة من كل ما راكمه الحضارم من تجارب ورؤى ومخرجات؟
أنا أعتقد أن الإجابة تستحق أن نجلس جميعًا أمامها بصدق، بعيدًا عن الأشخاص، وبعيدًا عن الاستقطاب.
فالمسألة ليست من يرأس المجلس، ولا من يملك العدد الأكبر من المقاعد.
المسألة: هل نريد أن نوحد الحضارم، أم أن نضيف مكونًا جديدًا إلى قائمة المكونات؟
وهذا ما يجب أن نجيب عنه قبل أن نمضي أبعد في هذا الطريق.
للحديث بقية…


















